طرحك يمس نقطة مهمة جدًا تتعلق بعلاقة الدولة بالفن، وهل الرقابة وسيلة لحماية القيم أم تقييد الإبداع ، من الناحية النظرية، الرقابة تهدف إلى حماية المجتمع من المحتوى الذى قد يؤثر سلبًا على القيم العامة، وهذا أمر متفق عليه في كثير من الدول. لكن المشكلة تكمن في حدود هذه الرقابة، فمن الذى يحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض ، بدلًا من فرض رقابة مسبقة تعرقل الإبداع، يمكن تبنى آليات أخرى مثل: تصنيف المحتوى أن تحدد الفئات العمرية للمشاهدة ، دعم النقاش المجتمعى حول المحتوى بدلاً من حظره تمامًا، وضع معايير واضحة للرقابة بدلاً من أن تكون فضفاضة وتفسر حسب الظروف السياسية والاجتماعية.

 تصنيف المحتوى أن تحدد الفئات العمرية للمشاهدة ، دعم النقاش المجتمعى حول المحتوى بدلاً من حظره تمامًا، وضع معايير واضحة للرقابة بدلاً من أن تكون فضفاضة وتفسر حسب الظروف السياسية والاجتماعية.

تصنيف المحتوى حسب الفئات معمول به منذ سنوات رغم أني لا أجده فعالا، لكن ماذا تقصدين بدعم النقاش المجتمعي حول المحتوى بدلا من حظره تماما؟

الدراما لم تكن يوماً مجرد وسيلة للترفيه ولا مرآة تعكس الواقع، بل هي في المقام الاول أداة سياسية واقتصادية، قرار الرقابة هذا مجرد قرار شكلي تفتعله السياسيات لايهام الناس بأنها كانت تعطي حريات أكبر والان هي ستضع حدود للتجاوزات،لكن الحقيقة غير ذلك ، الحقيقة أن السياسيات تتحكم في أي عمل درامي، إذا لا يتم تمرير اي عمل مهما كان دون المرور بالرقابة، زد على ذلك أن الدولة نفسها هي من تعين رؤساء ومسؤولي نقابة الفنانين وهي من تتحكم في أجورهم ، وتتحكم في المضامين التي يتم تداولها في أي عمل، وهذا منذ عشرات السنوات.

لكن لا ننسى منصات البث عبر الإنترنت، مثل نتيفليكس، أو شاهد وغيرها، فحتى لو فرضنا أن الرقابة موجودة منذ سنوات ولا يخرج عمل إلا بموافقة الجهات السيادية بالبلد فهنا المخرجين المتميزين وحتى الممثلين سيبحثون عن مكان يعرضون أعمالهم بعيدا عن هذه القيود التقليدية، وقد يطرحوا ما هو محظور بالإعلام المحلي، وهذا بحد ذاته قد يحصر الإعلام المحلي في دائرة التقليدية والملل

أؤيد القرار بشدة، فالفن مسؤولية قبل أن يكون حرية

ما يعرض على الشاشات يدخل كل بيت ويؤثر في الوعي الجمعي، ولا يجوز أن يترك بلا ضوابط.

الرقابة ليست تقييدا، بل حماية للهوية، وللمجتمع من الانحدار الأخلاقي والتطبيع مع السلوكيات الدخيلة.

ضبط المحتوى ضرورة، لا اعتداء على الإبداع.

الرقابة إذا كانت ذكية ومدروسة يمكن أن تحمي الهوية دون أن تخنق الإبداع. الأهم هو وضع معايير واضحة لا تقيد التعبير الفني وتضمن أن يكون مؤثرًا بشكل إيجابي دون الانحدار لمحتوى يضر بالوعي الجمعي....

ما المقصود بالمعايير الواضحة؟ تكررت كثيرا بتعليقات الزملاء لكن لم يعطني أحد تصور لها

مشاهد تعري و رقص و تعاطي و و و إلى من الأمور الهابطة!

وتسمونه فن ؟

ماذا أستفيد من شخص يتحتضن إمراه أو رجل و إمرأه يمثلون مقطع على سرير النوم ؟

هذا أسمه عفن و إنحطاط

أغلبنا نستاء من بعض المشاهد التي قد تكون غير لائقة أو مثيرة للجدل، وهذه نقطة حساسة جدًا في النقاش حول الذوق العام ومحتوى الفن. وهذه ليست مشكلتك وحدك جميعنا نرفض هذه التجاوزات لأنها لا تتوافق مع مبادئنا وثقافتنا العربية،

لذلك يرى الكثيرون أن الرقابة يجب أن تكون موجودة لضمان أن الفن لا يتجاوز الحدود المقبولة وأنه لا يُستخدم كأداة للترويج للسلوكيات التي قد تؤثر سلبًا على القيم المجتمعية.

أعتقد أن القرار تأخر كثيراً لأن المشكلة ليست في الأعمال الدرامية فقط بل أن هناك حالة عامة من انخفاض معايير القيمة الجيّدة في: البرامج واللقاءات التلفزيونية وأغلب ما يتم عرضه على الشاشة.

من الجيّد أن يكون هناك نوع من التوازن مثل عرض المشاكل الجريئة لكن في سياق يصل بالمشاهد إلى استنتاجات صحية: مثل وجود نهاية رادعة لتاجر المخدرات والبلطجي والمتحرش، وتوعية الأفراد بعقوبات الجرائم واقعياً وفنياً.

كذلك عرض النماذج الجيّدة من أصحاب العلم والنجاح والذكاء في البرامج التلفزيونية بدلاً من التركيز على المحتوى الترفيهي غير المفيد.

أعتقد أن القرار تأخر كثيراً لأن المشكلة ليست في الأعمال الدرامية فقط بل أن هناك حالة عامة من انخفاض معايير القيمة الجيّدة في: البرامج واللقاءات التلفزيونية وأغلب ما يتم عرضه على الشاشة

ربما لأن أغلب الأمور الجدلية تحصل على تفاعل كبير على السوشيال ميديا، وأغلب الشركات تقيس نجاح منتجها سواء كان برنامج أو تليفزيون بحجم التفاعل هذا، يعني مثلا برامج مثل برنامج العرافة رغم تعارضي معه بطريقة التقديم إلا لو نظرت على السوشيال ميديا ستجد تفاعل لا حصر له حتى لو كان من بينه نقد سلبي، وربما هذا يرجعنا لطريقة تفاعل الجمهور مع المحتوى الذي لا يرضيهم أو يعترضون عليه بالمقاطعة وليس بالتفاعل حتى لو كان سلبيا

لزيادة التفاعل على الأعمال الفنية يتم توظيف ميزانية كبيرة لمؤثرين السوشيال ميديا والصحفيين ومقدمي البرامج ليتناولوا الموضوع الفني الجدلي ويزيدون الجدل عليه..

فطالما أن الأموال يتم توظيفها على أي حال للتأثير على الرأي العام فيمكننا بالتبعية توظيفها لخلق تفاعل على برامج تحض على الأخلاق أو تناقش المثل العليا، وسيأتي بنتيجة ممتازة لأن أغلب أفراد المجتمع يشعرون بحافز داخلي لنشر الأعمال ذات القيمة ومواجهة التردي المتفشي، وشاهدنا ذلك في برنامج "قطايف".

كما أن البرامج التي تحض على الأخلاق تخلق جدل بذاتها بين مؤيد لها وبين معارض لمقدميها ومواضيعهم.

لزيادة التفاعل على الأعمال الفنية يتم توظيف ميزانية كبيرة لمؤثرين السوشيال ميديا والصحفيين ومقدمي البرامج ليتناولوا الموضوع الفني الجدلي ويزيدون الجدل عليه..

يسمون هؤلاء الأشخاص المأجورين للترويج والحديث على السوشيال ميديا باللجان الإلكترونية، ولكن لماذا نتجه بالاساس لذلك سواء كان في خلق تفاعل لأعمال جيدة أو سيئة، لماذا نقرر عن الجمهور، فلنحرص على الصناعة من جذورها ووفقا لجودة العمل يتحرك التفاعل، موضوع اللجان الإلكترونية هذه لم يظهر إلا بالثلاث أو أربع سنوات الأخيرة

هذا القرار ليس "تنظيمًا"، بل هو إعدام للفن قبل ولادته. الرقابة المسبقة تعني أن العمل لن يُولد إلا إذا وافقت عليه جهةٌ ما، وهذا يُكافئ منع كتاب من النشر إلا إذا أعجب السلطة! النتيجة؟ ستختفي الأعمال الجريئة، وسنرى مواسم درامية مليئة بـ"الكليشيهات الآمنة" كوميديا فارغة، دراما رومانسية مكررة، وأعمال لا تزعج أحدًا لأنها ببساطة لا تقول شيئًا.

أيضا التاريخ يثبت أن الرقابة تُستخدم دائمًا لقمع الأفكار، لا لحماية الأخلاق. عندما تُمنع أعمال مثل الطاووس (التي تكشف جرائم الاغتصاب) أو "مملكة إبليس"(التي تنتقد الفساد الديني)، بينما تُمرّر مسلسلات تُمجّد الأمن الدولة أو تُبرّر الفساد، فالجواب واضح الهدف ليس "الحفاظ على القيم"، بل فرض سردية واحدة

السؤال الصادم لماذا نمنع دراما عن التحرش أو الفساد، بينما نترك القنوات تروّج لـ"فقه الطاعة" و"تبرير الفقر" بذريعة "الثوابت الدينية"؟

الدول التي فرضت رقابة صارمة (مثل السعودية في الماضي، أو إيران الآن) لم تصبح مجتمعاتها "أكثر أخلاقًا"، بل أصبحت أكثر جهلًا وانفصالًا عن الواقع. المثال الأبرز عندما منعت مصر أفلامًا مثل "بين السما والأرض"(1960) لأنها انتقدت الفساد، هل اختفى الفساد؟ لا.. بل زاد، لأن الناس لم تعد تراه! الخطر الحقيقي الرقابة لا تحمي المجتمع، بل تُغيّب وعيه، وتجعله يعيش في وهمٍ زائف أن كل شيء "على ما يرام

بدل الرقابة المسبقة، هناك حلول أكثر عدلًا:

الرقابة اللاحقة معاقبة المخالف بعد النشر (مثل منع العمل أو غرامة)، وليس منعه مسبقًا. تصنيف الأعمال حسب العمر كما في أوروبا وأمريكا، حيث تُحدد فئة العمل (18+/16+). إتاحة مساحات بديلة مثل السينما المستقلة أو المنصات الرقمية للأعمال "الحساسة". لكن هذه الحلول تُرفض لأن الهدف ليس التنظيم، بل السيطرة

بلا فن بلا عفن . الامة تتعرض للموت و الدمار و حياة الناس أولوية قبل كل شيء . اي دولة عربية مسلمة عليها تسخير جهودها و سياساتها لمواجهة حرب الابادة على المسلمين التي تنتنشر في كل مكان الان.

نحن جميعًا نتفق على أولوية ما يحدث بفلسطين. لكن من المهم أن نأخذ في الاعتبار أن الفن ليس رفاهية بل هو أداة توعية، وتعبير عن الواقع، ويُسهم في تحفيز التفكير والنقاش حول القضايا الاجتماعية والسياسية. لا يجب أن نغفل أن الفن له دور كبير في تشكيل الوعي الجمعي، مواجهة التحديات الفكرية، وطرح الأسئلة التي تهم الناس في كل جوانب حياتهم. الفن هو مرآة للمجتمع، وعندما تُعرض قضايا مثل الظلم، الفساد، الفقر، أو التطرف، قد يساعد في إلهام التغيير.

لذا المشكلة الآن ليست بالفن نفسه ولكن بما يتم تقديمه تحت اسم الفن ولا يليق بنا عربيا

القرار جاء مفاجىء جدا وسببه الضجة التي أحدثها برنامج قطايف، ونجاح قطايف جاء من نضج الجمهور ورأيه، وبالتالي الجمهور ناضج كفاية لإنجاح عمل ومقاطعة أخر، بدليل ان هذا القرار جاء بعد ثورة الجمهور على مسلسلات مثل سيد الناس بسبب الألفاظ المستخدمة والطريقة، لذا وجود رقابة بهذه الطريقة سيحد من الإبداع والكاتب سيفكر مليون مرة قبل تناول فكرة خارج الصندوق.

المشكلة ليست الأفكار لكن بطريقة الطرح، الممثل الشعبي وهذه النماذج موجودة وجمعنا شاهد مسلسل ساعته وتاريخه وكان الواقع اقصى من اي عمل درامي، لكن المشكلة أنه يخرج هذه الصور بطريقة بعيدة نوعا ما عن الواقع ويصدرها كبطل رغم انه بلطجي، لا نحتاج لرقابة بقدر ما نحتاج معايير تصورها النقابات المختصة وتلتزم بها

أشرت لأمثلة قوية فعلا نور، ومسلسل ساعته وتاريخه قدم قضايا ربما لو رأيناها بأعمال درامية كان ردد البعض "بتعلموا الناس البلطجة والجرائم" لكن ما قدمه من واقع قضايا المجتمع كان قاسيا كفاية لنرى الواقع بعدسة التصوير، أحيانا أتسائل هل القيود التي ستفرض قد تأتي بنتائج عكسية، ويكون القيد حافز للكاتب ليخرج نصا يتحدى به القيود مع عدم المساس بالخطوط الحمراء؟

أرى أن القرار لن يحدث فرقا كبيرا، لأن معظم الأعمال الدرامية الحالية لا تلامس أصلا أي قضايا قد تستدعي تدخل الرقابة. المحتوى أصبح بالفعل محافظا بشكل كبير، ويتجنب التطرق إلى المواضيع الحساسة. الرقابة الرسمية قد تضاف كإجراء شكلي، لكن التأثير الفعلي سيكون محدودا، لأن صناع الدراما أنفسهم باتوا يضعون الخطوط الحمراء قبل أن تضعها الجهات الرسمية.

كيف ذلك! بالعكس هناك الكثير من الألفاظ الخادشة التي أصبحت ضمن سيناريوهات الدراما، خاصة الكوميدية منها، ويبدو أنك لم تلاحظ كيف أن بعض الأعمال الدرامية الحالية تتجاوز أحيانًا حدود المقبول، حيث أصبحت الألفاظ البذيئة والإيحاءات غير المقبولة التي نخجل منها جزءًا من الكثير من الحوارات والسيناريوهات، وهذا النوع من المحتوى قد يتطور أكثر إذا لم يكن هناك تدقيق ورقابة فعالة.

ليست الأعمال الكوميدية بسمة، لو نظرنا للموسم الرمضاني اليوم سنجد أعمال مثل سيد الناس وفهد البطل مبنيين على نموذج البلطجة والألفاظ الغريبة جدا وسيناريوهات مكررة لا تقدم أي معالجة حقيقية لأي مشكلة حتى لو موجودة بالواقع بنسبة بسيطة.

كنت أتحدث بشكل أكبر عن القضايا التي تراقبها الجهات الرقابية، مثل المواضيع الحساسة أو المحظورة، لكن بالنسبة للألفاظ الخادشة، فهي ليست جديدة بل أصبحت جزءا طبيعيا من بعض الأعمال الدرامية، خاصة الكوميدية. لقد رأينا كيف تتجاوز بعض السيناريوهات حدود المقبول، حيث يتم استخدام الألفاظ البذيئة والإيحاءات غير المقبولة بشكل متزايد. قد يكون هناك تمادي في هذا الاتجاه، لكنه لا يعني أن هناك غيابا للحدود تماما، فهناك دائما معايير معينة لا ينبغي تجاوزها.

من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أهمية وضع ضوابط تمنع الإسفاف والترويج لمحتويات تضر بالنسيج الاجتماعي، لكن المشكلة تكمن في المعيار الغامض الذي قد يُستخدم لتقييد الأعمال الدرامية بناءً على توجهات معينة، مما يؤدي إلى إنتاج فني نمطي يخشى الاقتراب من القضايا الجريئة.

أعتقد آلية للتنفيذ تكمن في إنشاء هيئة مستقلة تضم نقادًا، أكاديميين، ومبدعين، بحيث تكون مراجعتها موضوعية وتعتمد على معايير واضحة ومعلنة، بدلًا من فرض رقابة بيروقراطية قد تخنق الإبداع. يجب أن تركز الرقابة على ضبط المحتوى دون المساس بحرية الطرح، فالأعمال الفنية القوية هي التي تثير النقاش، لا التي تكتفي بإرضاء الجميع.

منذ نشأت الفن، وجدنا أعمالا ناقشت قضايا قوية يمكن قلل أن تصبح ظاهرة مجتمعية وهذا لفت النظر لها قبل الانتشار، شاهدت ذلك في أفلام فاتن حمامة، ونجلاء فتحى، المجتمع يتغير باستمرار، فما كان مقبولًا اليوم قد لا يكون كذلك في المستقبل، والعكس صحيح. في حالة الرقابة المسبقة، يتم فرض معايير قد لا تعكس تطور المجتمع وتوجهاته، وهذا يجعلنا نقدم أفكارا نمطية، حتى اللجان التي أشرت لها قد ترفض أي فكرة خارج المألوف لأنها تناقش شيء غير موجود أو نادر الحدوث.

وجهة نظر قوية، فالفن كان دائمًا مرآة للمجتمع، لكنه ليس مجرد انعكاس، بل أداة للتوجيه والتأثير. الرقابة المسبقة قد تخلق حاجزًا بين الإبداع والواقع، فتجعل الأعمال الفنية متأخرة عن الزمن بدلاً من أن تكون استشرافية. لكن هل يمكن أن تكون هناك آلية رقابية مرنة، تحافظ على حرية الإبداع دون أن تسمح بنشر أفكار قد تكون مضرة بالمجتمع؟