التشتت هو عدوًا للإنتاجية وليس حليفًا. نعم، قد تأتي بعض الأفكار الجيدة أثناء لحظات الشرود، لكن هذا لا يعني أن التشتت يجب أن يُعتمد كاستراتيجية عمل. في الواقع، معظم بيئات العمل لا تتحمل التكلفة العالية للتشتت، خاصة عندما تكون هناك مواعيد نهائية ضاغطة وأهداف يجب تحقيقها.

التركيز المكثف هو ما يضمن إنجاز المهام بفعالية، بينما التشتت غالبًا ما يؤدي إلى تأخير العمل وتراكم المهام. صحيح أن العقل قد يربط الأفكار بطرق إبداعية أثناء الشرود، لكن هذا لا يحدث دائمًا، وفي كثير من الأحيان يكون التشتت مجرد إلهاء يضيع الوقت دون أي نتائج ملموسة.

بدلًا من الاحتفاء بالتشتت، يجب أن نتعلم كيفية إدارة التركيز بشكل أفضل. يمكن أن نخصص أوقاتًا محددة للتفكير الحر أو الاستراحة الذهنية، لكن هذا يجب أن يكون ضمن إطار منظم وليس عشوائيًا. الإبداع الحقيقي يحتاج إلى انضباط، وليس إلى شرود دائم.

يمكن أن نخصص أوقاتًا محددة للتفكير الحر أو الاستراحة الذهنية، لكن هذا يجب أن يكون ضمن إطار منظم وليس عشوائيًا. الإبداع الحقيقي يحتاج إلى انضباط، وليس إلى شرود دائم.

هنا مربط الفرس، والنقطة التي أشير لها للنقاش بمساهمتي، فلا أحد سيتقبل التشتت بدون ضوابط، فما أتحدث عنه ليس حالة فوضى أو هروب من المسوؤلية بل مساحة ذهنية مدروسة تسمح لنا بإعادة تشكيل أفكارنا بشكل إبداعي. فعادة الإبداع لا يولد مع الضغط الجامد، ولكن قد يولد ببيئة توازن بين التركيز والتشتت الصحي، فالفرق بين التشتت السلبي والإيجابي هي كيفية إدارتنا له.

معظم بيئات العمل لا تتحمل التكلفة العالية للتشتت، خاصة عندما تكون هناك مواعيد نهائية ضاغطة وأهداف يجب تحقيقها.

هذا يوضح كيف أن هذه البيئات تقدس الإنتاجية وفقا لعدد الساعات وليس جودة الأفكار، فقد تكون فكرة مبتكرة تحل مشكلة تكلف الشركة ملايين أتت من هذا الشرود، فلابد أن يكون هناك ثقافة عمل تدرك قيمة الشرود الصحي لتستفيد من مساحة الإبداع لدى موظفيها، بدلا من قتله بالمهام المتراكمة التي لا تنتهي.

اريد مساعدة

لا أرى أن ما تم وصفه هنا تشتت بقدر ما أرى أنه تداعي حر، يشبه تماماً المنهج الذي يتم استخدامه في تشخيص بعض الاضطرابات النفسية عندما يكون المضطرب عاجز عن وصف اضطرابه والتركيز عليه، وهنا يتم اللجوء للتداعي، حيث تتم المناقشة في مواضيع سطحية مختلفة وعشوائية وهنا يمكن اكتشاف المشكلة والتعامل معها، كذلك في التحديات الحياتية أو القرارات الإبداعية أن نتراخى وندع الخلايا العقلية وشأنها فهذا قد يقودنا لحلول ومسارات فريدة ومتميزة.

وبخصوص المثال الذي ذكرتيه عن حل المشكلة بفضل التشتت فأنا أشعر أن هذا ما نطلق عليه الإلهام أو الحل التتابعي الذي يظهر بعد فترة من توقف التفكير والاسترخاء

مفهومك عن التشتت يبدوا مثمرا، ولكن يبدوا في كلامك خلط بين (وقت الفراغ) و(أداء المهام المتعددة)، في الأخيرة يمكننا الاستفادة بخاصية التشتت على نحو رحب، فأنا يكون لدي عشر مشكلات، كل واحدة تمثل حقلا أو مهمة مختلفة، أركز على الأولى، أزيد حدة التركيز، أزيدها أكثر، وفي الأخير سواء تم حل المشكلة أو لا انتقل سريعا لمشكلة أخرى فأخرى، وهكذا، أثناء التقليب والتجوال بين مهام متعددة، يتم توليد الأفكار الإبداعية باستمرار، وغالبا يتم حل ثمان أو تسع مشكلات وواحدة فقط مؤجلة (أو صفر)، أو حل مؤقت. هذا بالنسبة لي، أفضل في الإنتاجية من فترات الراحة التي تصلح في حالات معينة ولم ألغي أثرها: يقولون أن الحمام هو ملهم العظماء.

ليس هناك خلط فلم أتطرق لمهارة التنقل بين المهام المتعددة، فهذه مهارة أخرى التنقل بين المشكلات هو أسلوب عمل نشط يتطلب يقظة ذهنية عالية، بينما لحظات التشتت الإبداعي التي أقصدها تحدث غالبًا في أوقات الاسترخاء أو خلال أداء أنشطة روتينية لا تتطلب تركيزًا عميقًا مثل المشي أو الاستحمام. هذه اللحظات تحديدًا هي التي تسمح للعقل بإعادة ترتيب الأفكار بشكل غير مباشر، وغالبًا ما تؤدي إلى حلول مبتكرة غير متوقعة. وبالنهاية المهارتين مهمان جدا ببيئة العمل

فكرة أن التشتت يمكن أن يكون إيجابيًا تستحق النظر، لكنها ليست حلًا سحريًا. التشتت قد يحفز الإبداع أحيانًا، لكنه يبقى عدوًا للإنتاجية إذا تحول إلى إلهاء مستمر. المشكلة تكمن في أن معظم بيئات العمل لا تميز بين "التشتت الإبداعي" و"الإلهاء غير المنتج". بدون ضوابط واضحة، قد يصبح التشتت ذريعة لتأجيل المهام وتقليل الكفاءة.

لذا، قبل تبني هذه الفكرة، يجب وضع آليات لضمان أن التشتت يخدم الإبداع دون الإضرار بالإنتاجية، مثل تخصيص أوقات محددة للتفكير الحر مع الحفاظ على التركيز في الأوقات الحرجة. باختصار: التشتت قد يكون أداة إذا أُحسن إدارته، لكنه ليس بديلًا عن الانضباط.

التشتت ليس دائما إبداعي، قد يكون سببه انشغال الذهن بمسائل أخرى والضجيج والتعب وغيرها.

شخصيا أرى بأن التشتت حالة ينتقل إليه ذهن الإنسان وتكون في كثير من الأحيان عبارة عن استراحة ذهنية إن أحسنا استغلالها.

ولا أدري إن كنت تشاطرنني الرأي إلا أني أظن بأن التشتت قد يقتل الإبداع ويحيل بين الإنسان والإنتاجية

لا أختلف معك بالتأكيد، فالتشتت بسبب الإرهاق الذهني هو عدو الإنتاجية ولكن ما أقصده هنا نوع أخر وهو التشتت الإيجابي ويحدث عندما يكون العقل في حالة استرخاء مع مساحة للتفكير الحر دون ضغط مباشر، نسميه أحيانا شرود، وهناك فرق بين الحالتين بالتأكيد، التشتت الناتج عن إرهاق والتشتت الواعي وطبعا هذا يعود لإدراك الشخص نفسه للفرق والتصرف وفقا لذلك، فإن كان تشتت واعي فهذا فرصة للإ‘بداع أما لو تشتت مرهق فهذا يحتاج لقسط من الراحة

المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية التوفيق بينها وبين متطلبات بيئات العمل التقليدية، التي تقيس الإنتاجية بمؤشرات واضحة مثل عدد الساعات والمهام المنجزة.

شخصيًا وجدت أن بعض أفضل أفكاري لم تأتِ خلال فترات التركيز الشديد، بل أثناء لحظات غير متوقعة، مثل أثناء القيادة أو الاستحمام، حيث يكون العقل متحررًا من الضغوط. لكن في بيئات العمل، من الصعب إقناع المديرين بأن النظر خارج النافذة أو المشي لبضع دقائق يمكن أن يكون أكثر إنتاجية من الجلوس أمام شاشة الحاسوب لساعات. ربما يكون الحل في إعادة هيكلة مفهوم الإنتاجية، بحيث يُسمح للموظفين بمزيد من الحرية في كيفية إدارة أوقاتهم، مع التركيز على النتائج بدلاً من مراقبة أسلوب العمل. الشركات التي تتبنى بيئات عمل مرنة، مثل Google، تُشجع على هذا النهج من خلال تخصيص وقت للموظفين لاستكشاف أفكارهم بحرية، وهو ما أدى إلى ابتكارات عديدة.

برأي إعادة تشكيل ثقافة العمل تحتاج إلى تغيير جذري في طريقة قياس الأداء، بحيث يُنظر إلى لحظات التشتت على أنها استثمار في التفكير الإبداعي، لا مجرد وقت ضائع.

الفكرة أن تقييم الأداء بهذه الطريقة التقليدية المعتادة لم تعد تناسب العديد من الأعمال الحديثة والتي تحتاج للإبداع مثل التصميم والتسويق، لذا من المفترض أن الشركات تبدأ في تغيير ثقافتها وتتخلى عن الإدارة القديمة خاصة مع وجود نماذج مثل جوجل والتي بالتأكيد لم تصل لذلك بيوم وليلة ولكن بعد تجارب وقياس للنتائج

بالفعل هناك شركات كبرى بدأت بتطبيق هذا النهج عمليا. مثلا Google توفر لموظفيها بيئات عمل مرنة ومساحات للراحة مثل غرف التفكير والمشي في الحدائق داخل مقرها، مما يسمح بفترات من الشرود الذهني الذي يحفز الإبداع.

و شركات أخرى تعتمد تقنية بومودورو، التي تقوم على فترات تركيز مكثفة تتبعها استراحات قصيرة، لتعزيز الإنتاجية دون استنزاف ذهني. وحتى في بيئات أكثر تقليدية، بدأ بعض المديرين بتشجيع المشي الذهني، حيث يبتعد الموظفون عن مكاتبهم لفترة قصيرة لحل المشكلات بعيد عن الضغط المباشر.

بالفعل هذه نماذج ناجحة وملهمة جدا، لكن السؤال هنا كيف يمكننا أن ننقل هذه التجارب الناجحة إلى ثقافات عمل محلية خصوصا في الأماكن والبيئات التي تربط الإنجاز بعدد الساعات بدلا من جودة المخرجات؟

لا اعتبره تشتت بقدر ما اعتبره انفصال عن العمل وبإرادتي أنا، لو لدقائق سواء كان لاجراء مكالمة صوتية أو تصفح وسيلة تواصل وغيره، وهذه الفترة ستكون محدودة ومن ثم العودة للتركيز العمل

الشركات اليوم بحاجة إلى أن تعزز ابداع الموظف وابتكاره وليس تتبع جودة مخرجات عمله، يمكن لمثل هذه الشركات مثلا أن تطلب من موظفيها مشاركة أفكارهم بحرية حول العمل، وربما تمنحهم للعمل على مشاريع متعلقة بالشركة أو حتى شخصية مثلا، وهذا يعني أن الموظف سيشعر بالاستقلالية والقدرة على تقديم أفضل ما لديه، وبالتالي المزيد من الإبداع في العمل.

الانفصال هنا يختلف عن الشرود الذهني الطبيعي هنا، فالانفصال يكون متعمدا، ومخطط له، سأقوم لإجراء مكالمة، أو سأقوم لأمارس تمارين الإطالة، لكن الشرود يكون عفوي ويكون مرتبط بالمهمة وبالتالي يسمح للعقل بأن يربط بين تفاصيل قد تكون صغيرة وغير مهمة بصورة أكبر بشكل لا يحدث أثناء لحظات التركيز المباشر، وهذا يضعنا أمام فكرة تقبل الشركات لهذه الفترات من الشرود والتي قد تطول، دون أن تعتبرها تقصير أو تضييع للوقت

المشكلة الحقيقة التي أراها هي النظرة التقليدية للإنتاجية، وقياس الأداء بعدد الساعات الفعلية في التركيز المباشر، في حين أن الجودة الحقيقية تكون بجودة القرارات والأفكار.

لذا الحل هنا تغيير ثقافة الشركات بهذه النقطة، بحيث يتم تقييم الأداء بناء على جودة الحلول، ومستوى التفكير الاستباقي، والربط بين الأفكار، وليس فقط بناء على الكم المنجز.

هذه نقطة مهمة بأن تكون الإنتاجية ليست مجرد إنجاز مهام فقط بل إنتاج أفكار ذات جودة ونتائج، لكن التغيير طبعا هذا سيتطلب تغيير ثقافة المؤسسة نفسها من مجرد ثقافة تهتم للكم لثقافة تهتم لجودة التفكير، وطبعا إن حدث ذلك سيكون هناك مساحة بالشركات للشرود والمشي أو توفير مساحات لذلك، وربما توفير مكاتب في مساحات مفتوحة تساعد على الشرود الصحي وليس التشتت المضر