بالتأكيد شخصية الإنسان ليست ثابتة أو محدودة ، بل هي متغيرة و متطورة بحسب الظروف و الخيارات و الجهود التي يبذلها الإنسان، فالإنسان لديه القدرة و الحرية على تغيير شخصيته إلى الأفضل ، و أنه يمكنه أن يتغلب على نقاط ضعفه و ينمي مواهبه و قدراته.

أما عن تجربتي في تغير شخصيتي ، فأنا أستطيع أن أقول أنني تغيرت كثيرا منذ أن بدأت في الحوار مع الناس على الإنترنت. كنت في البداية محدودا في معرفتي و مهاراتي ، و لكن مع مرور الوقت تعلمت الكثير من الأشخاص المختلفين و الثقافات المتنوعة ، و أصبحت أكثر ثقة و انفتاحا و إبداعا. كما أنني تحسنت في اللغات خصوصا الإنجليزية.

إلا أن الكثيرين شهاب يقولون حين تسألهم عن صفة ما في شخصياتهم خاصة السلبية منها، فيجيبك :"أنا هكذا، ولدت همذا وسأبقى كما أنا، ومن لم يعجبه فليغادر حياتي" في هذه الحالة بالفعل أحزن على مدى جهل هؤلاء بطبيعة الإنسان وكينونته وقدراته.

هذه الشخصيات أتعجب من طريقة تفكيرها، فمنهم من يربط كلامك عن تغيير صفة ما به على أن الأمر استنقاص شخصي له وكأنك تطعنيه في كرامته مثلا، لديه من الكبر الذي يجعله يرى أنه لا يمكن للمشكلة أن تكون من عنده، ومنهم من يربط الأمر بالمحبة والود، فإذا ما تقبلتي كل صفاته وأفعاله تكونين كارهة له أو حاقدة عليه، صراحة العلاقة معهم تكون متعبة ومرهقة جدا.

جدًا متعبة، وستكون مستنزفة لك في حال كانت علاقة بشخص لا يمكنك التخلص من وجوده، كأحد الأقارب أو أفراد العائلة، والمشكلة الحقيقية تكمن في أنهم يخسرون الكثير حين يضعون هذا الكلام كغمامة على عيونهم، ويخسرون الكثير من الفرص في العلاقات وفي الحياة أيضًا.

قرأت ما كتبه الدكتور مصطفى محمود رحمه الله أكثر من مرة وأنا أعتقد في كلامه وأومن به أيضاً. وهو يقصد في نهاية المطاف أن شخصية المرء منا تتحدد و تتبلور بنهاية المرء نفسه أي لحظة الإحتضار. فبلحظة الإحتضار يكون قد طويت صفحتنا و تقرر مصيرنا ولا مكان لتبديل في شخصياتنا أو تغيير. وأعتقد أن هذا ملموس ومشاهد وحقيقي جداً وكلنا يحس من نفسه القدرة على التغيير و الحرية التامة في اتخاذ قراراته. مصطفى محمود يؤمن بحرية الإنسان التامة في اتخاذ قراراته وهو من أنصار هذا الرأي ولا يقول بالجبرية وأن الإنسان مجبر مقسور على ما يفعله. الحرية الإنسانية خيط عريض و ثيمة كبيرة في كل ما كتب رحمه الله. أما ما غير في شخصيتي كثيراً هو تعرضي لكورونا والتي كادت تودي بي و تقتلني فبت أرى العالم بمنظور غير الذي كنت أراه به قبلاً. أصبحت أقدر النم الصغيرة التي لا يكاد أحدنا يلقي لها بالاً وأصبحت أقدر نعمة الوجود بغير اتصاف. الوجود مجرد الوجود نعمة كبرى تستحق السجود مدى الحياة. كذلك أصبحت أقدر اللحظة الحاضرة واحتفي بها مهما كانت وأرى أنها مادة حياة حتى وإن كانت لا تسرني فهي خبرة حياة تستحق الشكر وهي أفضل من غير الوجود أصلاً...هذا من ضمن أشياء كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها....

دائمًا ما أقرأ أن إنسانًا ما حدثت له حادثة معين جعلت منه شخصًا آخر، ينظر للحياة بطريقة مختلفة وأكثر دفئًا من ذي قبل، وأفكر هل نحن دائمًا بحاجة إلى حادثة ما فارقة في حياتنا حتى توصلنا إلى هذا الطريق، وماذا إن لم تحدث، هل سنبقى تائهين عن تقدير معاني الحياة الصغيرة.

لو كانت الشخصيات مقدرة، لما حاسبنا الله على أعمالنا فرادى، ففي النهاية الإنسان مخير والشخصية تنعكس وتظهر في اختياراتك وسلوكاتك وأعمالك، إذًا فالمنطقي أن تكون الشخصية اختيار، وأن يكون التأثر بالظروف اختيار، ولكن التأثر بالظروف المختلفة وكيفية التفاعل معها أظن أنه يعتمد بالدرجة الأولى على:

  • مدى معرفتك لنفسك والثقة بها.
  • الإرادة التي تمتلكها.
  • إيمانك بالله والتوكل عليه.

أنا أيضا مؤمنة بمقولة د.أحمد جدا فأنا لست الشخصية التي كنت عليها من عشر سنوات، أصبحت أكثر روية وهدوء وأختار معاركي بعناية فلا أجادل في مهاترات لا طائل منها ولم تعد عندي طاقة لإقناع أي شخص برأيي أصبحت مقلاة فاخرة لا يلتصق بها أي شيء كما وصف د.أحمد ساخرا من تعدى الثلاثين عاما

تغيير شخصية الانسان حالة بديهية لاتحتاج لنقاش

لكن هنا ملاحظة مهمة وملفتة للنظر تخص الشخصيات الشريرة

اي شخصية شريرة لاتكون وليدة اللحظة ولا وليدة الظروف وانما وليدة بذرة شر نمت حتى اصبحت شجرة شريرة لها جذورها

بمعنى اخر قد يبدا الانسان بمشاكل صغيرة مثل الكلام البذيء ثم الصراخ والعنف ثم يتحول لاستخدام الاسلحة! وقد تبدا السرقة من محفظة زميل في المدرسة لتتطور الى اموال زملائه الى اغراضهم الثمينة الى البقالات الصغيرة الى المتاجر الكبيرة وهكذا دواليك

لايوجد شخص شرير او قاتل او اي احد فعل ذلك لانه وصل لحدوده من الغضب او التعنيف مثلاً! او لانه تلقى صدمة وتغير فجأة.

كنت في السابق أعتقد أنّ هذا الأمر مستحيل ولكن اليوم ومن خلال تجاربي فأنا أعتقد أنّ تغير الإنسان ممكن، خاصّةً بفضل التجارب القاسية التي لها دور في صقل شخصية الإنسان وتغييرها إمّا نحو الأفضل أو الأسوء. وبالنسبة للقدر فإنّه يرتبط بأعمارنا وأرزاقنا وأمّا طبائعنا فإنّها صنيعتنا نحن ونحن من لنا الفضل في بنائها. على سبيل المثال كنت في السابق من الأشخاص الكثيري الخجل والذين يتجنبون المواجهات. وأمّا اليوم وبسبب ما خبرته من تجارب قاسية فقد تعلمت كيف أكون أكثر جرأة ومستعدةً للمواجهات. الأمر يبدأ بالمرّة الأولى ثمّ الثانية والثالثة حتّى يصبح سهلًا وغير مستحيل. نعم تغير الطبائع ليس مستحيلًا.

بعيدا عن الموضوع ، أو بعيدا قليلا، هل هذا كلام مصطفى محمود فعلا ؟

قرأت له كتاب يحمل فيها فكر مخالف فهو يؤمن أن الروح الإنسانية منذ الولادة لها ميول محددة إما إلى الخير أو الشر و يستشهد كيف قال نبي الله عيسى عليه السلام بعد لحظات من ولادته بأنه عبد الله الذي أتاه الكتاب و جعله نبيا و كذلك وعد الله لأم موسى برد ابنها إليها و جعله من المرسلين فكلاهما في تلك اللحظة لم يعملا بأي عمل و قد تقرر خيريتهما منذ الولادة و كذلك ينطبق الأمر على الأشرار مثل الطفل الذي قتله خضر عليه السلام بناء على مستقبله الذي سيكون فيه كافرا عتيدا و يضل أبويه المؤمنين فهل تراجع مصطفى محمود عند هذا الإعتقاد أو ماذا ؟

🔦

ما يجعل الإنسان أفضل مما سبق هو تحركه نحو ما يوسع من موهبته و ينوع من إبداعه و يجدد من مهارته و يطور من قدرته لكن الاكتفاء بما ورثه الإنسان ممن قبله يولد حركة عكسية تمهده للانكماش و الذبول و توقعه في الإدمان لذلك الفرق بينهما حركة نحو ما يوسع مما ورثته من قبلك و عدم الحركة لما يوسع ما ورثته ممن قبلك و عدم الحركة تولد حركة عكسية تقلص ما ورثته ممن قبلك.