لو نظرنا لاخر 40-30 سنة سنرى دول بعدد اصابع اليد حققت قفزة او نهضة اقتصادية واضحة كالصين, كوريا, ماليزيا,الامارات,قطر و تركيا و البرازيل و بعض دول شرق اوروبا, باقي دول العالم اما حققت نمو متواضع او تراجعت.

السؤال هو لماذا لم تقم قيادات تلك الدول بعمل بنهضة في بلادها؟ هل انهم لا يرغبون او لا يعرفون القيام بذلك كغياب الرؤى الاقتصادية و التخطيط السليم؟ الجواب بالتأكيد لا, لو كان كذلك فبامكان اي قيادة بسهول جلب افضل خبراء الاقتصاد بالعالم.

المشكلة الاساسية التي تعيق اي نهضة اقتصادية هي مشكلة سياسية بامتياز, فلتحقيق نهضة اقتصادية يجب توفر عدة عوامل "مجتمعة":

1- استقرار نظام الحكم و امتلاكه لشرعية قوية:

في بلدان مضطربة امنيا و سياسيا يستحيل تحقيق نمو او نهضة اقتصادية لان البلد يعد بيئة طاردة للاستثمار و الحكومات ينصب جهدها على الامن و السياسة, مثلا في دولة كالعراق صراعات طائفية وداعش و ميليشيات و مدن تسقط و انفلات امني, من سيستثمر امواله في بلد كهذا!

استقرار نظام الحكم يعد بيئة مناسبة للنمو الاقتصادي و لكن بشرط ان يملك النظام شرعية قوية في الحكم, ففي سوريا و مصر(قبل 2011) كانت تلك الانظمة مستقرة لمدة 40 سنة, و لكن لم يحصل نمو للاقتصاد! و السبب ان تلك الانظمة لم تكن تملك شرعية صلبة و لتحافظ على السلطة تتحكم بالاقتصاد عبر شراء الولائات و الذمم بالمال(مفاتيح السلطة) و كذلك تمنع اغتناء اي اشخاص او جهات الا لو كانوا موالين للسلطة, لان امتلاك اشخاص او جهات غير موالية للسلطة للمال, سيكسبهم زخما سياسيا قد يهدد السلطة, التحكم بالاقتصاد اي اغناء اشخاص معينين فقط هو فساد مالي للسلطة هذا الفساد يعيق النمو, و أي اصلاح حقيقي للفساد سيقوض من السلطة الحاكمة و ربما تنهار, فمفاتيح السلطة المستفيدن منها من جنرالات و رجال امن و اعلاميين ممكن ان ينقلبوا ضد السلطة لو تهددت مصالحهم(عبر انقلاب او اغتيالات او حتى ثورات).

2- دولة قانون: اي نشاط اقتصادي قوي بحاجة الى وجود قانون قوي اي هناك قضاء نزيه و تطبيق للقانون على الجميع, وذلك لفض النزاعات التجارية و حماية حقوق الشركات و العاملين و ايضا لمحاربة الفساد او الابتزاز..الخ, تطبيق القانون بهذه الطريقة سيفقد النظام الحاكم سلطته على الاقتصاد و بالتالي سيخسر الموالين المنتفعين, اي تطبيق القانون ليس من مصلحة النظام خصوصا ضعيف الشرعية

3- جهاز اداري كفوء: أي سرعة الدولة في اتخاذ القرارات, السرعة في تطبيق القانون و التعلميات و الرقابة و سرعة اجراء المعاملات و سهولة التمويل..ألخ لو توفرت النقطة 1 و 2 فان اصلاح الجهاز الاداري ليس بالمسألة الصعب فقط يجتاج لبضعة سنين(من سنتين الى خمسة)

4- الرؤية الاقتصادية: اي الخطط استيراتيجة طويلة الامد لعشرة او عشرين سنة و اخرى قصيرة من سنة الى خمس سنوات(حسب طبيعة و حاجة كل بلد), و هذه اسهل نقطة, بالامكان جلب افضل الاقتصاديين المحليين و العالميين لوضعها, و لكن من دون وجود النقاط 1و2 و3 تطبيقها سيكون صعب او ستكون حبر على ورق.

5- العامل الخارجي: العامل الخارجي او الدولي يلعب دور مهم, فحدوث نهضة اقتصادية كبيرة في بلد قد يكون ضد مصالح الدول العظمى او الاقليمية سواء اقتصاديا او سياسيا, فيعملون على منع حدوث ذلك اما بمحاربتها اقتصاديا او بدعم انفصاليين او ثوار او التحريض على الانقلابات..الخ و هنا يأتي دور القيادة السياسية للبلد لتجنب ذلك عبر عقد التحالفات الدولية و تعزيز امنها الداخلي.

هذه النقاط الخمسة, ممكن ان تتوفر في اي نظام سواء ديمقراطي او غير ديمقراطي, فنجد دول غير ديمقراطية كالصين و الامارات و قطر تتوفر فيها النقاط انفة الذكر, فمثلا الامارات و قطر تمتلك نظام مستقر و شرعية قوية متمثلة بالنظام الملكي القائم في مجتمعات قبلية متجانسة لحد ما فحاكم البلاد اشبه بشيخ القبيلة

اما في الصين فالحزب الشيوعي محتكر للسلطة و رسخ وجوده هناك منذ 70 سنة و شرعيته تعززت بالانجازات الكبيرة التي حققها بعد موت ماو.

توفر تلك نقاط النهضة الاقتصادية في انظمة الحكم الديمقراطية اسهل من غيرها, لان النمو الاقتصادي يضمن رضا المواطن و بالتالي بقاء الشخص او الحزب بالسلطة, بينا في الانظمة الدكتاتورية البقاء بالسلطة مرتبط بالقبضة الامنية و شراء ذمم مجموعة صغيرة من المواطنين, فحتى لو اكل الشعب من الزبالة النظام لن يحرك ساكنا لو شعر ان ذلك لا يهدد بقائه.

https://www.youtube.com/watch?v=X0pxoQW5q8c&index=7&list=PLcD7kYork8QryiA0GeN0a5-QyV1bQNsr5