كتبه/ أحمد طه

"نظر البعض إلى حادثتي تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية بمصر على أنه عمل مخابراتي، ورائد هذا التوجه الفكري هو "فكر جماعة الإخوان المسلمين" التي تنظر إلى كل عمل عسكري على أنه تدبير مخابراتي، وخطورة هذا الفكر هو: النظرة السطحية للأشياء، وتجهيل الوعي، وإفساد طرق النظر الصحيح.

فالنظر الصحيح للأشياء يتطلب تحليل لفكر وعقلية الآخر صديقاً كان أو عدواً، وفهم منطلقاته الفكرية، وبواعثه النفسية، وقدراته الحقيقية، بعيداً عن النظرة السذاجة التي تَمل من البحث والقراءة؛ فتروح تطلق الأحكام السخيفة على أمور خطيرة، مما يُفسد عقلها هي.

وآن للعقل المسلم أن يُطلّق الكسل والملل والسفه، ويتخذ طريقاً رشدا جاداً في البحث والتقصي والفهم وحسن النظر للأشياء، حتى يستطيع أن يمتلك رؤية لا أقول راشدة كاملة، وإنما شبه صحيحة أو قريبة من الصواب.

وإذا أردنا سباحة في عقل "تنظيم الدولة" الذي أعلن مسؤوليته عن هذا الحادث فيجب اعتبار وفهم عدة أمور:

عندما يعلن التنظيم عن تبنيه لهذا الحادث فإن أغلب الظن الراجح - بل والمؤكد - أنه هو بالفعل المسؤول عنها، وأنه يفعل ذلك انطلاقاً من فكر معين ينظر إلى نصارى مصر على أنهم "كفار محاربين" وأنهم ليسوا بـ "أهل ذمة" وعليه فهم حلال الدم والمال، إضافة إلى أنه هدف سهل، وسيؤلم النظام.

وينظر إلى استهداف "دور العبادة" على أنه "معاملة بالمثل" فكما هدموا مساجدنا، نهدم معابدهم، بل إنه قد استهدف من قبل "مساجد الشيعة" واعتبرها "معابد الشرك".

وينظر إلى قتلى النساء والأطفال من النصارى على أنها "معاملة بالمثل" أيضاً فكما يقتل الكفار أطفال المسلمين في سوريا والعراق واليمن وبورما وسيناء...إلخ فنحن نعاملهم بالمثل.

وينظر إلى الجيش والشرطة على أنهم "طوائف ممتنعة" تقاتل قتال "أهل الردة" ونساء الشرطة طالما التحقت بهذا السلك فهي مُقاتلة.

وأما ضحايا المسلمين الذي سقطوا - دون قصد - جراء التفجير فيأخذوا "حكم التترس" الذي يقضي بقتل بعض المسلمين الذين يتترس بهم الكفار، أو يأخذوا حكم "القتل الخطأ" الغير مقصود.

وينظر إلى "قتل النفس" على أنه "انغماس ونكاية" في العدو، هو استشهاد عظيم، ثوابه عميم.

ولديهم من الأقوال الفقهية ما يستشهدون به على صحة ما يقومون به، ولديهم من الأسباب الواقعية ما يدفعهم لذلك. وينظر إلى المخالفين له نظرة احتقار.. فهم إما: قاعدون عن الجهاد، أو مبتدعة، أو مرتدون، بل يرى "نشوة نفسية" في تفرّده عن الجميع، ولذة في إرهابه ويتفاخر به، ولا يعبأ بأقوال المشايخ والمؤسسات الإسلامية - التي يتهمها الدجالون العلمانيون أنها المسؤولة عن الإرهاب والتفجير - بل ويُكفر ويستهدف بعض علماء هذه المؤسسات، هذا باختصار شديد طبيعة التفكير لدى التنظيم.

ويتخذ من ردود الفعل على مثل هذه الحوادث دليلاً على صحة مذهبه ومنهجه وطريقته، فيقول لأتباعه: انظروا كيف انتفض العالم يُدين ويُعزي من أجل عشرات من النصارى سقطوا، بينما يُقتل المسلمين تقتيلاً في كل مكان، ولا بواكى لهم.. ألم نقل لكم إنهم منافقون مرتدون؟!

انظروا ما يفعلون بالمناهج الإسلامية، واتهام الإسلام من خلال اتهام المؤسسات الإسلامية، والسلفية.. إنها حرب على الإسلام سافرة الوجه!.

وبذلك يُحكم التنظيم شرعية ومعقولية ونجاعة ما انتهجه من فكر وطريق.. أما النظرة السخيفة التي تجعل كل شيء عمل مخابراتي، فهو تصرف يدل على رعونة فكرية لا تنهض لتعرف ما في عقل الآخر، وتجعلنا نجهل قدراته، فعندما يُعلن التنظيم عن نيته لاستهداف مسيحي مصر، ثم ينفذ وعده، ويفجر في قلب القاهرة، والدلتا، والإسكندرية، فمعنى ذلك أن قدرات التجنيد لدى التنظيم بلغت مرحلة متقدمة، وعندما نرى حزاماً ناسفاً لا يُرى - دون أن يُحمل في حقيبة أو سيارة - يستطيع أن يُحدث هذا الأثر الهائل، فإن قدرات التقنية والتصنيع بلغت مرحلة متطورة، ومع حالة السيولة التي تعيشها مصر بعدما تحولت إلى شبه دولة تحكمها عصابات مافيا.. فإنها بذلك مرشحة لتكون الدولة المثالية لما يعرف في الأدبيات الجهادية بـ "إدارة التوحش" فالضغط الاجتماعي الذي تتعرض له مصر عن طريق الاجراءات الاقتصادية المتوحشة، والإهانة التي يتعرض لها الإسلام والملتزمون به، واستباحة الشباب الملتزم وقتله واعتقاله، والفجور الذي أصبح بارزاً في كل نشاط.. يجعل عملية "الانفجار والانهيار" مسألة وقت.

وإن "الاستغلال السياسي" للحدث، وتوظيفه واستثماره، والاستفادة منه لا يعني أن النظام الحاكم هو المنفذ له، ولكنه بطبيعة السياسة البراجماتية يستغله لتمرير أوضاع يتحين فرصة لتنفيذها، فالنظام في مصر: اتهم الإخوان المسلمين بها، وهم يعلم يقيناً أنها بعيدة ذلك، واتهم "الخطاب والتعليم الديني والأزهر " وهو يعلم يقيناً أيضاً أنه بعيد ذلك، ولكنه يحارب بالحدث الخصوم السياسيين، ويحارب الخطاب الإسلامي باسم محاربة الإرهاب والتطرف، ومحو الهوية الإسلامية، والسيطرة على منهاج التعليم الإسلامي، ومن جانب آخر يمرر بعض القوانين، والاجراءات القاسية، ويُحاول أن يُنسي الناس حالة الفشل الخطيرة التي تغرق مصر فيها..

ويبدو أن رئيس عصابة المافيا التي تحكم مصر، يريد إفشالها لأقصى درجة، فأنا أزعم أن مصر لو حكمها صهيوني لن يفعل بها مثلما فعل هؤلاء الأوغاد المجرمون. وإن التنظيم يرى في ذلك فرصة ذهبية للانتشار والتمكن.. فإن استطاع السيطرة المكانية في المحافظات البعيدة، فإنه يريد "الانهيار الأمني" - في العاصمة وما حولها - ومن ثم التوحش بعدما تتخلخل المنظومة الأمنية وتنهار تدريجياً، فخروج الأمور عن السيطرة يتم في لحظة لا يدركها أحد، ولا يتوقع متى تأتي.

كما أنه ربما يريد استفزاز النصارى لإخراج ما في جعبتهم، وأن يفقدهم التوازن السياسي.. فيعتدون على المسلمين، ومن ثم يراها فرصة جيدة للمواجهة، مثلما فعلها في العراق عندما اتخذ من وحشية النظام الشيعي هناك وسيلة لاستنهاض أهل السنة، وإنه لا يرى في ذلك عملاً خسيساً، إنما يراه "الحل الوحيد" أمام حالة الجمود الجهادي المصري، وإنه لا سبيل إلا الجهاد، ولا جهاد إلا بانهيار المنظومة الأمنية، والتوحش، وخروج الأمور عن السيطرة. ولا نستبعد لأي حركة وتنظيم الاختراق الفكري والحركي وتوجيه بعض الأحداث، ولكن ليس هذا هو الجانب الثابت والمتكرر دوماً.

هذا بعض ما أحسبه طريقة تفكير التنظيم، وما يراه صواباً وحقاً، ويربي عليه أتباعه ومريديه، فيخاطبهم بـ "المنطق البسيط": الدليل الشرعي، والحل الواقعي، والثواب الأخروي.


أما بخصوص موقفي فيما حصل: فإنني أرى كل "مسالم" - سوى أكان مسيحياً أو غير ذلك - معصوم الدم والمال، وأرى عدم جواز استهداف أماكن العبادة لأي ملة، وأرى حرمة قتل النساء والأطفال بالإطلاق، وأرى أن ضحايا المسلمين لا يأخذون "حكم التترس" وأن الحكم له ظروف وملابسات خاصة ومحدودة، وأرى عدم جواز قتل المسلم لنفسه لنكاية العدو إلا في حالة ضرورة قصوى تقدر بقدرها وليست سلاحاً ممنهجاً ثابتاً، وأما عموم أفراد الجيش والشرطة، فإنهم ليسوا بـ "أهل ردة" وإنما "أهل بغي" يقدر أمور مواجهتهم - عند الاعتداء - بقدره ومآلاته.

وأما بخصوص الحالة المصرية وطريق التغيير: فإنني أنظر إلى الحركة الإسلامية وأمراضها الذاتية أنها بحاجة إلى العلاج الفكري والنفسي أولاً كما ذكرت ذلك تفصيلاً في كتاب: "انحرافات في الحركة الإسلامية" وأنها بحاجة أولاً إلى إعادة بنائها الذاتي - والميلاد الجديد - وأنها بحاجة إلى بناء "البنى التحتية" للدعوة والسياسة والجهاد؛ لتكون مؤهلة لخلافة على الحق والعدل، فإنني - وللأسف - أراها لا تستحق الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا التمكين، لأن أمراضها الداخلية تحول دون ذلك."

-أحمد طه-، صفحة أمتي على الفيس بوك: https://goo.gl/HA83gP