ليلة يوم 15 يوليو تموز ، حتماً كانت ليلة ليـلاء على الأتراك ، وعلى منطقة الشرق الأوسط .. إعلان إنقـلاب في تركيـا ، ثم سلسلة من الاحداث بخصوص صراع بين السلطة الشرعية والإنقلابيين ، حتى انتهت الليلة بسقوط الإنقـلاب ، واستمرار الديموقراطية ..

برغم ان كثير منا لا يعرف ان الانقلابات لدى الأتراك تعتبـر هواية .. انقلاب عام 1960 .. ثم آخر سنة 1971 .. ثم انقلاب ثالث 1980 .. ثم انقلاب رابع ابيض عام 1997 .. ثم أخيراً انقلاب 2016 الذي فشل ..

https://suar.me/Mz90

هي دولة تسير بالترواح بين الديموقراطية الغربية ، والإنقلابات العسكـرية ..

=========

لكن ما يعنينـا هنا ، أن نطـرح سؤالاً :

هل لو كنت مواطناً تركيـاً ، كنت ستكون من الداعمين لإنقلاب الليلة الواحدة الذي حدث مساء 15 يوليو 2016 ، وفقـاً للحقائق الآتية :

  • عام 2001 ، كانت تركيـا دولة بائسة بعد سلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية .. الليرة التركية انهارت وارتفع التضخم إلى مستويات قياسية، وأفلست على إثرها نصف البنوك التركية، ووصلت معدلات البطالة مستويات مرتفعة جداً ..

  • سنة 2002 ، تولى حزب العدالة والتنميـة زمام الأمور في البلاد ..

  • سنة 2011 ، بعد مرور 10 سنوات .. كانت تركيـا تحتل المرتبة الثــانية عالميـاً في النمو الإقتصـادي بعد الصين ، بنسبة نمو 8.8 % !

  • ارتفع متوسط دخل المواطن التركـي العادي من 3 آلاف دولار سنوياً .. الى 11 ألف دولار سنوياً خلال 10 سنوات ..

  • التضحم في تركيـا كان مخيفاً .. استطـاع حزب أردوغان خفض التضخم من 30 % الى 4 % فقط ، مما رفع العملة التركيـة بشكل كبير جداً امام الذهب والعملات الاجنبية في زمن قياسي ..

  • قفــزة من المركز الاقتصادي 111 الى المركز 16 عالميـاً .. مما جعلها من أقوى 20 دولة في العالم اقتصـادياً

  • على مدار الاعوام من سنة 1950 حتى العام 2002 ، كان اجمالي معدل الاستثمار الاجنبي كله في تركيا هو 50 مليار دولار .. ما قامت به حكومات أردوغان أنها أصبحت تجذب 20 مليار دولار استثمـارات لتركيــا .. سنوياً !! .. رقم خرافي لا يمكن تصديقه..

  • في العام 2023 ، ستكون تركيـا واحدة من اكبر 10 دول صنـاعية في العالم ..

  • حريّـات مطلقة .. بحسب الدستور التركي ، المواطن التركي يعيش في أجواء أوروبية كاملة .. لا تفريق ديني .. لا مطاردات .. لا إقصـاءات من أي نوع .. وإن كـان هنـاك تلك الأزمة الشهيرة بين الاتراك والأكراد التي لها طابع امن قومي ..

  • في الحياة الإجتمـاعية ، حرية وفقاً للمعايير الاوروبية .. لا فرض لزيّ ديني معين ( رغم ان الحزب الحاكم له خلفية دينية ) .. اصبح الحجاب متاحاً في تركيا بعد منعه سنوات طويلة ، ليصبح المجتمع التركـي يشمـل الحجاب واللبس المحتشم ، الى جانب الزي الغربي المتحرر .. بمعنى آخر ، شعب علمـاني بحكومة اسلامية ..

  • تراجع الدين العام من 74 % الى 36 % .. وهو بالنسبة لمقدّرات الدول نسبة ممتازة للدين .. بينما ارتفعت قيمة الصادرات التركية من 36 الى 158 مليار دولار سنوياً !

ثم في النهاية يأتي بعض الجنود المُعفّـــرين ، ليعلنوا انقلاب عسكـري تلبيــة لنداء الزعيم المفدّى أتاتورك ، ليعيدوا البلاد لمآسي الانقلابات العسكرية التي بدأت من الستينات ، وجعلت تركيا والشعب التركي رمزاً للبؤس سنوات طويلة .. ومصدراً للعمالة الرخيصة فى أوروبا عقوداً طويلة ، هرباً من واقعهم المحلّي ؟

صحيح أن هناك روائح فسـاد كبيرة ظهـرت في تركيـا مؤخراً بحسب الأخبار .. صحيح أن هناك مناورة من اردوغان وحزبه للبقاء أكثر في السلطة . صحيح ان اردوغان ترك رئاسة الوزراء ، وأصبح الرئيس ثم سعى لتعديل الدستور ليحول تركيا لدولة رئاسية ( حتى يمنح نفسه صلاحيات أوسع ) .. وهي كلها أمور واضح انها إلتفـات على معايير الدولة التركيـة .. صحيح ان هناك مشاكل عنيفة بخصوص سوريا .. الخ ..

ولكن ، هل فعلاً هذه الأمور تستدعي الإطـاحة بتجربــة ديموقراطية استمرت أكثر من 14 عاماً ، وكانت نتائجها مذهــلة بالنسبة لبــلد عاش قرناً كاملاً في حالة بؤس حقيقيــة ، من وراء الانقلابات ؟

===========

بشكل ما ، أنا لا أطيق الثقافة التركية .. وأعتقد أن الأتراك أخذوا قدراً تاريخياً كبيراً لا يستحقونه ، خصوصاً فترة الحكم العثمـاني ، وأنهم سبب رئيسي في كل ما نعانيه كعــرب لفتـرة طويلة .. ولكن هذا في محل نقاش آخر ..

لكن ، وبصراحة ، لو كنت أنا مواطن تركي :

علمـاني ، ملحد ، ليبرالي ، تطوّري ، شهواني مجنّــح ، انفلاتي ، مدمن ، متطفّــل ، براغمـاتي عاشق لمصلحتي الشخصية .. حتى لو كنت سارقاً أو نصّـاباً .. سأدافع بكــل قوتي على بقاء الديموقراطية في تركيـا ، مهما كان الحزب الحاكم يستفزني بمواقفه السياسية داخلياً وخارجياً ..

الشعـوب ( على المستوى الجماعي ) لا تعنيها الا 3 أشياء :

اقتصـاد قوي يوفّر لي ولأسرتي حيـاة هانئة مرفّهــة .. حريّــة مطلقة لي في التعبير وطريقة الحياة ( طالما لا أؤذي غيري ) .. استتبــاب الأمن ، وتوافر الخدمات ..

كل ما هو غير ذلك مجرد تهريج .. كل ثورة تقوم لأهداف غير هذه الأهداف هي مجرد تهريج .. فليكن الحاكم من يكون ، ولتكن اعتقاداته وتوجّهــاته كيفما يريد ، طالما يوفّــر هذه الأمور الثلاثة بالحد الأدنى .. فما بالك لو كان يوفّــر ( بشكــل مميز لشعبه )..

وقتها فقط ، عندما يحدث انقـلاب .. يخرج بتلك الصورة المضحكة التي جعلته يستمر لمدة 3 ساعات فقط ، قبل أن يسقط :)

https://suar.me/gPqK

بصراحة ، بالنسبة لي .. كان يوماً مجيداً أن شاهدت بعيني - كعربي - انتصار الديموقراطية على عوالم جمهــوريات الموز ..

وأعتقد - من وجهة نظري - أن هذا اليوم سوف يتم تدريسه كأوضح مثال على أساس الحكم هو الكفاءة والتميّــز في إدارة البلاد اقتصادياً وسياسياً وإجتمـاعياً ، بغض النظر عن اي اعتبارات أخرى ..

الديموقراطية والكفاءة انتصرت اليوم .. هذا رأيي أنا ، اريد أن اعرف رأيك ..

ملحوظة : أسألك عن رأيك الافتراضي ( كمواطن تركي ) بالأساس ، وليس من زاوية عربية محلية خاصة بكل دولة..