حافظت على رباطة جأشي، اخبرتهم انني لا افهم التركية، ولكنهم اصروا الجلوس ومحادثتي، ستصبح مواطناً! كرروها بغضب بدا على وجوههم، مبارك للأمة التركية، رددوها بسخرية. حادثتهم وفهمت منهم كل ما لديهم ان يقولوه، وعندما خانتني اللغة، سلمت عليهم لأذهب، قالوا جميعاً الا اخذ على خاطري "فنحن احباب" ولكن اعترف ان ما قالوه قد اثقل صدري.

سألخص لكم هذه التجربة، من مدينة görükle الريفية من مدينة bursa التركية، علها توضح قليلاً من الاشكال الذي نتعرض له هذه الايام:

  • في عيد الفطر خرج الرئيس التركي ليقول ان السوريين سيصبحون مواطنين، ضج الفيسبوك التركي بعبارات "نحن لا نريدكم"

  • تفاجأت عند عودتي للعمل ان لا احدا من الاتراك يذكر ذلك... ولا حتى مزاحاً، على غير عادتهم "فهم يمزحون معي دوماً ويخبرونني ان حصل تفجير هنا فسيعلمون من الفاعل"

  • مضى عدة ايام قبل ان يبدأ الناس بالحديث، الحديث الاول كان ايجابياً، وعدة احاديث اخرى صبت في نفس المجال: انتم تستحقون المساعدة، الاطباء والمهندسين والطلاب، ستصبحون ثروة للوطن وسيعطيكم الوطن ايضا ما فقدتموه في بلادكم...

  • بتتابع الايام بدأ الاتراك يتحدثون بصراحة اكثر: لا نريد للسوريين ان يصبحو مواطنين، هم يأخذون من الحكومة شهريا مئات الليرات دون ان يفعلوا شيئا، نحن نعمل هنا وهم يذهبون للمرح على الشواطئ، لديهم ملايين الليرات في حساباتهم البنكية وهذا دليل انهم ليسوا بحاجة للمساعدة، جميعهم ارذال، تافهون، مجرمون.

  • بدأت القصص بالانهمار شيئا فشيئا، احدهم تعرض للسرقة من قبل اطفال سوريين، الاخر تعرض للتهديد بالذبح من شباب سوريين، الاخر تحرشوا بأمه وهي تسير معه، وبدأت القصص بالتتالي واحدة تلو الاخرى.

  • عاد الحديث مجددا، لن نقبل باحد السوريين الذين هرب من بلاده فرارا من الخدمة العسكرية، هل سترضى بهكذا جبان في جيش بلدك؟ وما الذي يضمن لك انه لن يفر؟ التركمان "من تركمانستان" هم احق بالجنسية من هؤلاء، شجعان، اقوياء، ويمكنهم الخدمة في الجيش التركي.

  • نحن ندفع الضرائب لتسلمها الدولة لهؤلاء، ثم يذهبون لينفقوها دون تفكير في الملاهي والشواطئ، رايتهم بعيني يأكلون في افخم المطاعم عندما ذهبت الى "مدينة ساحلية"

والضربة القاضية كانت عندما قام احدهم

  • في اليوم الذي يتم فيه اعطاء الجنسية للسوريين، سأخرج من هذا البلد والجأ في المانيا، فهذه لم تعد بلدنا.

حاولت ان اصحح فقط بعض المفاهيم الخاطئة التي فشلت لغتي بايصالها لهم:

  • انا كسوري قدمت بعد ال2016، ادفع في كل عام 1500 ليرة تركية فقط لتجديد الاقامة، وهو امر لم يصدقه الاتراك.

  • كسوري، ليس لدي منزل في هذه البلد، منزلي في سوريا ايضا قد تهدم، لذا انا مضطراً لاستئجار منزل، وهو ما لا يعلم عنه اغلب الاتراك شيئا... اجار المنزل يكلف احيانا ضعفي راتبي "لذا عليك دائما ايجاد شخص لتسكن معه"

  • كسوري، لم اخذ منذ دخلت الى تركيا نقودا من الدولة، كثيرا ما قيل لي انني اخذ النقود، بل اقل من ذلك، لم اخذ حتى "كرتونة" المساعدات الانسانية كوني شاباً ليس لي عائلة هنا.

  • كسوري، اعمل دون تامين صحي، بنصف الاجر، بضعف الساعات، مع عائق اللغة، ورغم ذلك يطلب مني القيام بالعمل على وجه افضل مما يقوم به التركي "فقط لانني بحاجة للمال"

  • كسوري، لم اهرب من الخدمة الالزامية لانني "جبان" ولكن اعتقد ان الخوف من الموت هو امر فطري في الانسان، وخصيصا الموت المحتم "بغض النظر عن ارائك السياسية للوضع في سوريا فانت مؤمن حتما بهذا"

  • كسوري، علي ان اركض "حرفيا" للتسجيل في جامعة محترمة، يتم فيها تكذيبي، واتهامي بتزوير الشهادة، وطلب كمية مستحيلة من الاوراق، ومن ثم يتم اعادتي لبداية العام الدراسي في الفرع الذي كنت قد درسته اصلا في دولتي.

  • كسوري قادم بعد ال2016، ليس لدي تامين صحي، وعندما امرض على دفع كامل نفقات العلاج "لان تاميني الصحي وهمي وليس هناك مشاف تتعامل معه"

  • كسوري، علي ان اتعلم لغة جديدة، ثقافة جديدة، اقلق بشأن العمل، اجار المنزل، الفواتير اللا منطقية، كره الشعب، وايضا الطعام السيء... في كل لحظة اعيشها في هذا البلد، والمواطنة لن تغير في ذلك الا امرا او امرين.

  • كسوري، لكي احصل على الجنسية، علي دفع هذه ال1500 لمدة خمس سنوات، دون ان يحصل علي مخالفة واحدة في البلد، دون الخروج من البلد، بالاضافة لاتقاني اللغة بشكل كامل، وتحصيلي لشهادة علمية... لم تتغير هذه الشروط بعد الخطاب "الاشاعات تقول ان الزم تخفض لسنتين ولكن لا تاكيد رسمي"

وعلى الناحية الاخرى

  • بعض السوريين في تركيا تنطبق عليهم جميع المواصفات التي ذكرها الاتراك، ولكنهم ليسوا كثرة.

  • السوريين يكرهون الاتراك، الاتراك يكرهون السوريين، حقيقة انسانية لا يمكن انكارها... فالطرفين متعصبين قوميا، ولا حل لهذا التعصب.

  • للاتراك حق تقرير من يمنح جنسية بلدهم، فهي بلدهم بالنهاية، وليس لنا ان نتدخل فيها "مهما كانت الوعود" فلسنا مواطنين "بعد"

لا اعتقد انني قد نسيت شيئاً، ربما هذا قد يوضح القليل لمن هم في خارج تركيا عن الوضع هنا