كتبه محمد الهامي, وانقله كما كتبه.

وأخيرا استطعت أن أشاهد فيلم "عودة الدينار"، بعد رحلة مطاردة استمرت يوما وليلة، كان اليوتيوب أسبق مني دائما في حذف الفيديو..

وهذه تعليقات سريعة جدا عليه، مأخوذة منه نفسه، دون استعانة بشيء من خارجه.

  1. الفيلم قوي بصريا، كعادة إصدارات تنظيم "الدولة"، ولعله أقوى مما سبق كثيرا (إذ لم أشاهد جميع إصداراتهم).. ولذلك فهو ممتع ومؤثر بلا شك.

  2. والفيلم قوي في المحتوى العلمي، ومكثف، بدأ بطيئا حتى وصل إلى بداية التاريخ الاقتصادي الأوروبي في إنشاء البنوك ثم جرى سريعا وكثيفا، وأظن أن فهمه صعب على من يتعرض للموضوع لأول مرة.. بينما من يفهم قصة الاقتصاد هذه سيرى أنه فيلم متين ومتقن.

  3. وحيث أني شاهدت رد فعل الكثيرين على الفيلم قبل الفيلم نفسه، فيلزمني هذا أن أقول إن المحتوى العلمي للفيلم ليس اكتشافا خرجت به دولة البغدادي ولا هو من عبقريات خبرائهم الاقتصاديين، بل هذه المادة مطروحة مبذولة معروفة مشهورة لكل من بحث في الأمر سابقا، وكتبت عنه أبحاث وروايات وأفلام وثائقية وأفلام درامية وأفلام كارتون.. هذه فقط ملحوظة لمن يتخيل أن تنظيم الدولة اكتشف ما كان مجهولا وعرف ما كان سرا مكينا.

(من هنا يبدأ النقد)

  1. استعرض الفيلم تاريخ الخداع العالمي منذ الإقراض بالربا، ثم تحويل الذهب إلى عملة ورقية، ثم رفع غطاء الذهب عن العملة الورقية.. ثم رفع غطاء الذهب عن الدولار (وهنا أهم نقطة باعتبار أن الفيلم كله موجه في معركة النظام العالمي).

لقد أغفل الفيلم، أو لنقل: سيغفل الكثيرون ممن يشاهدونه، عن أن رفع غطاء الذهب عن الدولار لم يكن ليتم أولا قبل إقرار الجميع بأن الدولار هو عملة موثوقة وقوية ومعبرة عن مخزون ضخم من الذهب. تراكم في أمريكا بفعل قوتها الصناعية والعسكرية وبفعل حسن سياستها في بيع المنتجات وقت الحرب مقابل الذهب.

[أي أن القوة الصناعية والعسكرية، ثم قوة السياسة.. هي التي منحت الدولار قيمته التي اضطرت باقي الدول أن تستسلم له.. أو بعبارة أخرى أوضح: لو لم تكن أمريكا متفوقة على مستوى القوة لما استطاعت بحال خزن الذهب عندها وإخضاع الجميع للتعامل بعملتها]

الخلاصة: أن القوة الحقيقية هي التي صنعت الدولار (وليس العكس).

  1. وبهذه القوة الحقيقية، القوة العسكرية والصناعية، صدم نيكسون العالم حين قال له: لا غطاء ذهبي للدولار، وعليكم أن تتعاملوا به.. ولم يكن ليفعل هذا، ثم لم يكن لأحد أن يقبل بهذا، لولا القوة الحقيقية (الصناعية والعسكرية) الأمريكية.. فما لأحد بهم طاقة.. فخضعوا لهم.

  2. وبهذه القوة الحقيقية، القوة العسكرية والصناعية، أجبرت أمريكا دول النفط، كما أجبرت باقي الدول على أن تستعمل الدولار لبيع وشراء منتجاتها وكنوزها وثرواتها بالدولار الذي تطبعه هي.

  3. هل إهمال الدولار وطبع عملة ذهبية أو فضية يقضي على سيطرة الدولار؟

لو كان الأمر هكذا فما أهون هذا وما أيسره، وساعتها سنرمي بالغباء كل عدو واجه أمريكا منذ الاتحاد السوفيتي الرهيب حتى كوبا النحيلة!

ربما يمكن أن نتصور هذا لو كانت الدولة منغلقة على نفسها لديها اكتفاء ذاتي فلن تضطر للتعامل مطلقا خارج حدودها مع القدرة التامة على حماية نفسها.. ساعتها فقط يمكن إهمال الدولار والتعامل بالذهب أو الفضة أو النحاس أو حتى التراب.. ساعتها سينهار الدولار (لكن داخل هذه البلد) لكنه لن يسقط عن عرش العالم أبدا.

  1. أما إذا كانت الدولة (وكل الدول هكذا) لا تملك أن تنعزل عن العالم، بل هي مضطرة للتعامل معهم، فهنا ستُصدم بالدولار في وجهها، لأنها مجبرة على التعامل به.. فباقي الدول لا تقبل التعامل بغيره لحاجتها إليه.. وما هذا إلا لأن القوة الأمريكية الحقيقية (الصناعية والعسكرية) تفرض على العالم التعامل به.

ولهذا يسعى كل مخلص إلى المنافسة في مجال القوة الحقيقية (الصناعية والعسكرية) تحت قيد الدولار الذي لا يملك منه فكاكا، حتى يستطيع (بهذه القوة) أن يُحجم من تأثيرات الدولار عليه.. برفع قيمة عملته، أو بالدخول في شراكات وتحالفات تجعل مجموعة من الدول تتبادل فيما بينها بعملة أخرى غير الدولار أو تصنع لنفسها عملة موحدة أخرى أو غير هذا من الإجراءات التي تحتاج قوة حقيقية (صناعية، عسكرية) تسندها في محاولة التحرر من الدولار.

  1. ولذلك فالمعضلة الحقيقية التي لن يتبه لها معظم من شاهدوا الفيلم.. خصوصا لو كانوا من مؤيدي "الدولة" هو:
  • ما هي قدرة "الدولة" على التبادل بالذهب والفضة مع من يشتري منها النفط (بصورة أساسية) وغيره من السلع؟

  • ما هي قدرة "رعية البغدادي" على التعامل بالذهب والفضة خارج حدود الدولة؟

  • هل يملك البغدادي إجبار أحد خارج نفوذه على مبادلة ديناره الذهبي أو درهمه الفضي بقيمته الحقيقية بالذهب والفضة؟.. إنه إن لم يفعل فسيصير الذهب فعلا بقيمة التراب إن حبكت عليه مؤامرة بسيطة صغيرة، فكيف وهو يرى "العالم كله" يتآمر عليه؟!!!

  • ثم ما هي قدرة رعية البغدادي على مبادلة السلع والبضائع حتى داخليا بقيمة الذهب والفضة.. كيف سيقسم الدينار إلى عملات أصغر ذهبية أو فضية لتصلح للتعامل في حدود شراء كيلو طماطم أو جلبابا أو حذاء أو نحو هذا من السلع البسيطة الصغيرة اليومية؟ هل حل العملة النحاسية حل ناجع (هذا السؤال لا أدري إجابته حقا، وأطرحه للاستفسار)

ومن هنا نفهم جانبا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم بإقرار التعامل (بعملة المشركين: الفرس والروم) كما ذكر الفيلم نفسه، وأن هذا الوضع لم يتغير إلا حينما صارت الدولة الإسلامية قوة عالمية في عهد عبد الملك بن مروان.

ولعل القراء يتذكرون السؤال الذي طالما طُرح على الشيخ البصير الأسير حازم أبو إسماعيل: هل ستجعل دخل قناة السويس بالجنيه المصري؟ فكان رده البسيط: هذا أمر يحتاج دراسة واسعة، لكن هل أجعلها بالجنيه المصري ثم أذهب لكي أشتري الدولار مرة أخرى به؟!.. فماذا استفدنا إذن؟

  1. ومنذ أن انتهى الفيلم من شرح طبيعة النظام الرأسمالي حتى ترك الواقعية ودخل في التفاؤل والأحلام.. إذ جعل مجرد بيع السندات والتخلص منها مؤديا إلى الانهيار بتلقائية.. وهذا صحيح ولكن بشرط واحد، وهو الشرط الذي يدور كلامنا كله حوله.. القوة الحقيقية (العسكرية، الصناعية).. ذلك أن الأمر ليس متروكا لمزاج الدول، بل إن أمريكا بما لديها من قوة تمارس القهر والإجبار لئلا يتغير وضع النظام المالي، ولذلك سترانا نحوم ونحوم حول الدولار لكننا نجد أنفسنا في نهاية المطاف أمام القوة.. القوة الصلبة (الصناعية، العسكرية).

وقد اعترف الفيلم ببعض هذا، حين قال بأن الدول الطاغوتية تستفيد كذلك من وجود البنكنوت، ولكنها تخزن الذهب وتنتظر التغير المثير (انهيار القوة الأمريكية).. وهنا، فجأة: ترك الفيلم كل العقلانية والواقعية وأعطانا زخة من الأناشيد والصور لمقاتلي "الدولة" قائلا: بأن الدولة هي الوحيدة التي ستهاجم هذا الفساد مباشرة وستسقط أمريكا!! في نقلة مفاجئة لا يبتلعها إلا مشاهد مؤيد مبهور أو مشاهد لم يفكر في إعمال عقله.

  1. يشبه الأمر مشهد بلطجي يحكم الحارة، أخذ ذهبهم وأجبرهم على التعامل بالخرز أو حتى الخزف الذي يصنعه هو وحده.. وبه يشتري أملاكهم وثرواتهم ومجهودهم (يعطيهم رواتب).. لا تكمن المشكلة في فكرة "تجنب الخرز أو الخزف" فهي بديهية، بل تكمن حقا في "القدرة" على مواجهة قوته وتجبره وتسلطه.

  2. بلا شك أن كل ما سبق هو تبسيط شديد لصورة النظام العالمي، فالأمر معقد جدا، فهذا الجانب المالي فضلا عن أنه محمي بالقوة العسكرية والاقتصادية والأمنية (المخابراتية) فإنه قد ترتبت عليه أوضاع ونشأت حوله شبكات مصالح متعددة ومتداخلة بشكل يجعل كسرها عملية لا يسبق فيها جانب على جانب. وهذه الشبكات صارت محكومة بمنظمات عالمية تتحكم في شروط ومعايير الجودة وتقييم السلوك المنفرد للدول والأنظمة والهيئات.. وأمور أخرى لا محل لبسطها هنا.

  3. بدون عملية دعوية جهادية واسعة تؤسس لقيم (الزهد) و (الجهاد) و (التراحم والتكافل والتماسك) فضلا عن محاولات عظيمة لتوحيد الجهود الإسلامية وتحييد الأعداء وشراء الخصوم.. فلن نصل إلى شيء مؤثر.. إذ نحن نحتاج لكل خطوة تحجم نطاق تدخل المؤسسات في العمليات الصغيرة الفردية والمحلية..