بسم الله الرحمن الرحيم

التعددية الحزبية في الفكر الاسلامي وضرورات الواقع الفلسطيني (1-2)

الكاتب/ أ. عبد الله العقاد

إنه من المخاطر التي تعاني منها ساحة العمل السياسي على صعيد الفلسطيني خاصة والعربي والإسلامي على وجه العموم.. السعي لتحويل السياسة إلى دين (تسيس الدين)، والأصل إن جاز لنا التعبير أن نعمل على (تديين السياسة وأسلمتها)؛ من خلال ما وضعه الإسلام من مبادئ عامة وقيم ثابته تحدد طبيعة نظام الحكم.

وأن تلك المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، هي: الشورى، والمساواة، والعدل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعصمة اجتماع الأمة، ووحدتها موقفها من القضايا الثابتة، واحترام رأيها في المواقف المصيرية، ومسئولية الحاكم أمام الأمه (الشعب)، وواجبات أهل الحل والعقد وغير ذلك. ولم يحدد الإسلام كدين سماوي صالح لكل زمان مكان وفي كل الأحوال.. الأشكال التنظيمية للحكم، بل تركها لما يناسب المسلمين وأحوالهم..

وهنا يأتي دور (السياسي) فيجتهد في تنزيل تلك المبادئ للواقع، بحيث يتم ترجمتها بما يتناسب مع أحوال الناس، ويتجاوب مع متغيرات العصر، ومستجدات الحياة المستمرة؛ فتكون – تلك المبادئ - ضامنة من الزيغ والانحراف أو السير نحو المجهول، وضابطة للعمل السياسي بكل أشكاله، ومعيارية وموجهة في التخيط والمتابعة والتقييم للعملية السياسية في كل مراحلها وأحوالها.

وأن كل هذا لا يخرج عن كونه جهدًا بشريًا صرفًا قابلاً للخطأ والصواب، والأخذ والرد، والقبول والرفض، من غير حرج أو تكلف في ذلك وبعيدًا عن حساسية الأسماء التي يمكن تُطلق على شكل الحكم رشيد أو سعيد..، وأن منه ما قد يصلح لزمان دون آخر، ولمكان دون غيره.

ولكن مما يُشْكِل على جماهير من الناس - ولا سيما- المنضوين منهم تحت عناوين سياسية.. سواء أكانت تلك العناوين جماعات أو أحزاب أو توجهات؟! أنهم لا يفرقون بين الفكر السياسي الإسلامي وما ينتج عنه من ممارسات ومواقف في ساحات العمل السياسي الواسعة والتي يحكم عليها بالصواب والخطأ وبالأولى وخلاف الأولى، وبين الإسلام كدين سماوي ثابت في جوهره ومحكمه، حقاً وصدقًا وعدلاً (لا يأتيه الباطل).

ولذلك عند الحديث عن التعددية (التنوعية) السياسية نجد أن المبادئ العامة والقيم الثابتة التي وضعها الإسلام لممارسة الحكم، لا يمكن لها أن تتحقق - فعلاً وواقعاً ممارساً، وليس مادة نظرية تنظيرية - إلا بالتعددية بل إن التعددية حتمية لحمايتها كماهي حتمية لممارستها.

وهذا أمر ميسور الفهم والتفهم عند أهل السنة الذين استقر عندهم أن الإمامة (السلطة) من فروع الدين لا من أصوله، بخلاف الخوارج.. الذين كفروا مخالفيهم، والشيعة الذين اعتبروا الإمامة من أصول الدين، فجعلوا للأئمة عندهم مكانة مقدسة قد لا تبلغها درجة النبوة ولا الملَك مقرب..!

وإن المدرك لمعطيات الواقع السياسي، ومنطلقات السلطة السياسية في الفكر الإسلامي، يزول الالتباس في المواقف وحالة من التخبط والخلط بين مصدر السلطة في العمل السياسي وهو (الواقع والرأي)، ومصدر التشريع في الثوابت والعبادات وهو (الوحي) كما أشرنا إليه سابقاً.

ومما هو مؤكد عليه أن طبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية المتنوعة الطرح هي علاقة صراع وتنافس في إطار تحقيق المصالح المعتبرة والمرسلة ودفع المفاسد في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، وذلك بالاجتهاد لطرح الحلول للمشاكل التي يفرضها الواقع، ومن خلال آليات سلمية، حيث يتم حسمها - غالبًا - بالرجوع إلى رأي الناس لا إلى القوة العُنْفيَّة؛ لأنه صراع برامج ورؤى وليس صراعاً على الهوية التي يتم حسمها وتأكيدها عبر أدوات قانونية مجتمعية فتقر عبر طرق محددة، لتتثبت في الدستور الرسمي للبلاد أو في قانونها الأساسي كما هو حاصل عندنا.

ولذلك ما يجب دينياً ووطنياً هو أن يبقى خيار التفاهم، والتحاور، والمجادلة بالتي هي أحسن، اللغة السائدة بين الشركاء السياسيين في ساحة العمل الوطني الفلسطيني على اختلاف توجهاتهم وألوانهم تحت شعار (شركاء في الدم شركاء في القرار شركاء في المصير).

فتحقيق حالة من التناغم والانسجام والالتقاء بين كل الفصائل الوطنية والمكونات السياسية المشكلة للمشهد الوطني العام ونظامه الرسمي، وتحريم سياسة محو الآخر (الالغاء والشطب) أو عدم الاعتراف به لتقزيمه وتسفيهه..

فالتعددية ( التنوعية) في جوهرها السليم تنوع وتكامل واختلاف في إطار الوحدة الوطنية المستندة إلى عدالة قضيتنا وقدسيتها، لأنها تنوع مؤسس على (تميز وخصوصية) تتحقق من خلال إطار الوحدة الجامع، فبدون الوحدة الجامعة لا يتصور تنوع وخصوصية وتميز.

ولذلك أقرَّ القرآن الكريم التنوع في المجتمع البشري (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين..)الآية، وقد أثبت - أيضا- الإيمان لكلا الطائفتين المتصارعتين (وإن طائفتين من المؤمنين اقتتلوا..) الآية، وكذلك أقر دستور المدينة الحريات السياسية بل والدينية لغير المسلمين (يهود)، لأن التنوع منتج وفاعل إن بُنِيَ على التآلف والتعارف والتناغم الحضاري والانسجام بين مكونات كل أمة ومراعاة خصوصيات كل عرق ولون..

                                                                         (يتبع ..) 

التعددية الحزبية في الفكر الاسلامي وضرورات الواقع الفلسطيني (2-2)

الكاتب/ أ. عبد الله العقاد

وقد رأينا أهمية التعددية السياسية وضرورتها – كما ورد في الجزء الأول من المقال- ولكن، ما أخل بهذا المفهوم المتأصل في ثقافتنا.. حالة التناسل غير المبرر لإنتاج أحزاب، أو اختلاق كيانات مجهرية (فسائل) لا يبررها في غالب الأحيان سوى ضعف آليات الحوار او انعدامها بالكلية، أو الاستجابة للطموحات الذاتية لبعض الأفراد أو لنزعات المناطقية أو القبلية، فكل ذلك وغيره قد يفقد التعددية معناها أو يتنافى مع مقصدها الأسمى.

وكذلك ما أحاط بهذا المفهوم من دخنٍ، نتيجة لما كرَّسه المستعمر الغربي من تفريق ٍللأمة، وتمزيقٍ لكيانها وتجزئي وغير ذلك، عبر التعددية بمفهومها ومعناها السلبي فكانت هي أداة قذرة لسياسته الاستعمارية القائمة على مبدأ ((فرق.. تسد))، وكان بها ايقاعنا تحت قهره وسطوته؛ فأحكام سيطرته عليها، ونهب مقدراتنا، وصادر حقنا، وزيَّف وعينا بأننا أمة لها اعتبارها وسيادتها بين الأمم، بل وخيريتها وريادتها وشهادتها على العالمين.

وهذا ما برر به الإمام حسن البنا - مؤسس أكبر حركة اصلاحية في العصر الحديث- انكاره للتعددية الحزبية وفق ذلك المفهوم وما استخدمت له.. كأداة استعمارية لتمزيق كيانية الأمة، عبر إثارة النعرات الانشقاقية المختلفة، أو بتحريك النزعات انفصالية، فكان للأحزاب التي نشأت تحت مظلة المفهوم الغربي للتعددية أسوأ الأثر على الحياة السياسية في عصره ومصره.

ومن خلال تحقيقي العلمي في رسالتي الماجستير التي كانت حول فكر البنا – رحمه الله - تأكد لي أنه لم ينكر مبدأ التعددية السياسية كمبدأ عام، ولكنه أنكر على التعددية السياسية ما أوجدته من حالات مرضية في كيان الأمة بفعل المسخ الاستعماري لجوهر مفهوم التعددية. فقد وُظِّفت التعددية بالمفهوم الغربي عندنا؛ لخلق حالة اضطراب وتضارب بل وقطع للروابط الاجتماعية والاقتصادية وتفكيك لعُرى المجتمع وهتك لنسيجه العام.

وهذا ما شكَّل بيئة مناسبة، لتركيب وصياغة المنطقة بما يخدم مصالح المستعمر الغربي بالتمكين للكيان الغاصب (إسرائيل) فتسيطر على مقدرات الأمة ومقدساتها، وتأثر على دفة قيادتها إلى الوجه التي تحفظ بقائها، وتميزها بالتفوق عن محيطها الإقليمي؛ لتحقيق المبتغى من وجودها السياسي في المنطقة فهي ليست أكثر من (دولة وظيفي).

فما يؤكد إيمان الإمام البنا بمبدأ التعددية السياسية، دعوته لتعديل قانون الانتخابات ليكون الترشح فقط عبر القوائم الحزبية فيكون الانتخاب للبرامج والمشاريع السياسية، وليست الفردية التي تضغط على المرشح لتحقيق مصالح خاصة ومنافع ذاتية.

وحتى يتأكد المقصد من أهمية وضرورة الحزبية لا بد أن يكون الهدف من وجود الحزب أو تأسيس حزب جديد مصلحة وطنية بامتياز؛ فيقدم برامج جديدة، ويعرض مقترحات حلول مبدعة، ويطرح مشاريع حيوية ومتميزة عما تطرحه الأحزاب الأخرى.

وبذلك يتم خلق حالة من التفاعل البناء في ساحة العمل الوطني، ويفتح الباب نحو التطور المستمر المستوعب للمتغيرات المتلاحقة في الساحات العمل السياسي بمستوياتها الثلاث (المحلية والاقليمية والدولية).

وأنه غالباً ما تدفع حاجات المجتمع وبشكل تلقائي للتعددية السياسية من خلال ما تعكسه من برامج اقتصادية واجتماعية يتعزز بها البناء الديمقراطي السليم، والتداول السلمي للسلطة، فيكون ضمانة لتحقيق العدل، والتكافؤ في الفرص، والنأي عن احتكار القرار والمقدرات العامة ، وتجريم احتقار القانون أو إهانة القضاء وتجاوزه.

ولذلك اعتبر العلامة د. يوسف القرضاوي المذاهب أحزاب في الفقه والأحزاب مذاهب في السياسة.. فالتعددية السياسية حق أنساني اصيل فليس ألزم منها في هذا الزمن.

ولا مشاحة في الاصطلاح، لأن الحزب كمصطلح أو اسم لا اعتبار له بذلك، ولكن الاعتبار كله لمضمونه ومسماه مسعاه.. فالحزب السياسي في ماهيته - كما ورد في موسوعة السياسة للمؤسسة العربية للدراسات - ُيطلق على مجموعة من المواطنين، يؤمنون بأهداف سياسية، وفكرية (أيدلوجية) مشتركة، وينظمون أنفسهم بغية تحقيق أهدافهم، وبرامجهم بالسبل التي يرونها محققة لهذه الأهداف، بما في ذلك الوصول للسلطة في المجتمع الذي يعيشون فيه.

وقبل أن أختم مقالتي تلك يجب التحذير من انعدام التعددية السياسية مع كثرة وجود أحزاب سياسية!!

فإن كثرت الأحزاب السياسية ليس بالضرورة أنها تعكس تعدداً سياساً حقيقياً.. فقد يراد منها مهمة وظيفية لغير ما يجب أن تؤديه، فيتم بها مثلاً تغلِّيف حكماً ديكتاتوريا شمولياً؛ وذلك بإيجاد جملة الأحزاب الهلامية التي تعدُّ بعناية وخبث بحيث لا تقوى على الاستقلالية في الطرح والبقاء، ويغيب عندئذٍ التنافس المتكافئ بينها؛ فتتعطل الديناميكية السياسية الفاعلة، فلا يكون من مبرر لوجود تلك الأحزاب جميعاً سوى الدوران في فلك الحزب الأوحد (الحاكم) سواءً المؤيد منها والمعارض، فكل منها يؤدي دوره بشكل ديكوري بحت، وبلا أي مصلحة وطنية قط.

ففي الديمقراطيات القوية تجد التنافس غالباً ما ينحصر بين حزبين كبيرين، كل منها له طرح متميز عن الآخر في المسائل السياسية والمواقف الدولية والقضايا الاقتصادية والمشكلات المجتمعية المختلفة..

وأخي القارئ.. هكذا عِلم السياسة وعالمها الرحب، تبقى الأمور فيها مقدرة حسب مآلاتها، وأولوياتها، وتختلف (المآلات والأولويات) حسب الزمان والمكان، وتختلف أيضا بتنوع أوضاع الزمان والمكان في البلاد والعصور المختلفة.. وفيما قد يتنج عن سياق التطبيق من تنوع وفيما يفضي إليه الأمر في التطبيق..

وأما مُلخص القول فإن التعددية في الإسلام أصل في سائر الأشياء، والتعددية السياسية داخلة في مفهوم التعددية بشموليته، ولكنها ليست مطلقة بل يجب أن تكون منضبطة في إطار المبادئ العامة التي بينها الإسلام فيما يُعْرف بقواعد النظام السياسي، وفي ضوء المقاصد العامة للشريعة السمحة.