لديّ صديقة مقربة كانت علاقتها بوالدها سيئة جداً بسبب اختلاف الآراء حول أحد القرارات التي كانت تريد أن تتخذها، وظلت القطيعة معه لسنوات، رغم محاولات عديدة منه في التواصل معها إلا أنها كانت غاضبة منه، فكانت تُغلق كل الأبواب أمامه، حتى وصلها خبر وفاته الذي وقع عليها وقع الصدمة، تحول الغضب الذي في داخلها له إلى غضب تجاه نفسها، وعانت لسنوات من حالة نفسية سيئة جداً وهي تلوم نفسها، على كل تلك القطيعة بسبب خلاف تافه، وهي تشعر بأنها مدينة بإعتذار لن يُقبل أبداً.

فالمقاطعة التي تحدث بسبب حماقتنا، وتجعلنا نظن أن الطرف الآخر بإنتظار إنطفاء الغضب داخلنا، لتفاجئنا الحياة بواقع أليم أن الراحة لم تكن يوماً في الاستغناء والتخلي خاصة حين يكون الطرف الآخر ما زال يريد الوصال.

وهذا ذكرني بمشهد في فيلم 600 كيلو لحظة اكتشاف نور أن فؤاد قد فارق الحياة منذ ثلاثة أشهر وهو لا يعلم قبل أن يستلم رسالة أخيه للتخلي عن كبريائه والعودة لدفء العائلة قبل فوات الأوان.

المرعب في الأمر أن البعض يظن أن في البعد حلاً للمشاكل، وأن إدعاء القوة لمواجهة الحياة وحيداً قد تكون نجاحاً، ولكن الحياة والواقع دائماً ما تُثبت العكس خاصة في لحظات الضعف والمرض حين يحتاج المرء أن يجد من يسانده، فالفكرة أن الراحة ليست في الإنعزال، بل بوجود المرء وسط الذين يحبهم ويحبونه من حوله، فبعد فوات الآوان حين تنظر للانتصارات التي حققتها في عزلتك تجدها فارغة ولا قيمة لها حين لا تجد من يقتسم سعادته معك، أو من يكون بجانبك في لحظة انكسارك وضعفك.