بين كيمياء الجسد وطريقة التفكير: كيف ينشأ الاضطراب النفسي؟

  • Admim_Moro

من المشهور بين البعض حالياً أن الأمراض النفسية كالاكتئاب والقلق والفصام وغيرها ناتجة عن نقص أو خلل في بعض النواقل العصبية وأن الوراثة تلعب دوراً هاماً في ذلك ، ولكن هل هذه هي القصة الكاملة ؟!

في دراسات Gottesman & Shields الخاصة بالتوائم المتماثلة المتطابقة جينياً 100% والتي تمت تربية كلا التوأمين معاً ودراسات التوائم المتماثلة المتفرقة كانت إصابة أحد التوأمين بالفصام ترفع من نسبة إصابة الآخر به بشكل واضح لكن لا تستلزم حدوث الإصابة .

هذا يثبت أن الجانب الوراثي له دور في الإصابة بالمرض ولكنه لا يجعله محتوماً مثل بعض الأمراض الجينية البحتة مثل مرض هنتنغتون والتليف الكيسي وغيرهما .

ذكر المعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH) أن الأبحاث تشير إلى أن مزيجاً من العوامل الجينية وعوامل البيئة والتجارب الحياتية قد يلعب دوراً في تطور الفصام . وتشمل هذه العوامل البيئية الفقر والبيئات المجهدة أو الخطرة والتعرض للفيروسات أو مشاكل التغذية قبل الولادة.

وجاء في دليل ميرك Merck Manual أو ما يسمى بـ msdmanuals (أحد أكثر المراجع الطبية السريرية موثوقية في العالم) بخصوص أسباب نشأة الاكتئاب أن السبب الحقيقي غير معروف ، ولكن يساهم في ذلك عوامل جينية (وراثية)، وفوق جينية (خارجية جينية)، وعصبية حيوية، ونفسية اجتماعية، وبيئية .

وذكر أيضاً أن العوامل النفسية الاجتماعية لها دور في زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب مثل المعاناة المزمنة (تنمر-ضغوط اقتصادية) وتجارب الطفولة السلبية . كما أن الضغوط الحياتية غالباً ما تسبق نوبات الاكتئاب الشديد ، ومع ذلك فهذه الأحداث لا تؤدي عادة إلى اكتئاب حاد ومستمر إلا عند من يملكون استعداداً للمرض .

وذكرت الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) أن اضطرابات القلق تنشأ نتيجة تداخل عوامل بيولوجية ونفسية وبيئية ، وهذا يشمل الجينات والأنماط السلوكية في الطفولة ، والضغوط ، والشخصية والطباع مثل الحساسية للتوتر والميل للانفعالات السلبية .

نلاحظ أن الضغوط البيئية والسلوك الفردي من العوامل الحاسمة التي قد تتسبب في ظهور المرض النفسي أو تأجيل ظهوره أو حتى منع ظهوره بالكلية ، ولكن السؤال :

ما هو معيار الضغط النفسي ؟ هل هو شيء كوفاة أحد الوالدين - تنمر متواصل ، أم شيء مثل رسوب في سنة دراسية - عدم الالتحاق بالجامعة المرغوبة ، أم شيء مثل حرمان من المصروف - سخرية من بعض الأصدقاء المرفهين ؟

ذكر البروفيسور النفسي الشهير ريتشارد لازاروس أن الضغط النفسي يختلف بشكل ملحوظ من شخص لآخر تبعاً لطريقة تفسير الفرد وتفكيره بما يسمى التقييمات المعرفية (Appraisals) والتي تتضمن :

  • ما إذا كان الموقف أو الحدث يشكل تهديدًا لسلامة الفرد أو رفاهيته .
  • ما إذا كانت لدى الفرد موارد شخصية كافية للتعامل مع متطلبات ذلك الموقف .
  • ما إذا كانت الإستراتيجية التي يستخدمها لمواجهة الموقف فعّالة .

كما أشار لتقسيم عملية التقييم لثلاثة أبعاد :

  • أولي (Primary) .
  • ثانوي (Secondary) .
  • إعادة تقييم (Reappraisal) .

أخص بالذكر هنا التقييم الأولي والذي يقيّم به الفرد الموقف الذي يتعرض له ، فقد يقيّمه إلى أنه إيجابي حميد أو مهدِّد أو غير ذي صلة . وهذا التقييم له دور أساسي في حدوث الاستجابة ، لأن تقييم الموقف بأنه حميد أو غير ذي صلة لا يترتب عليه استثارة فسيولوجية ، أما تقييم الموقف بأنه مهدِّد يترتب عليه تفاعل الفرد معه بتقييم قدرته على التفاعل وحجم الضرر وغيرها والتي تسهم في حدوث الضغط النفسي عند الفرد .

مثال مبسط :

وفاة شخص عزيز :

الشخص الأول : حزن وبكى وحدَّث نفسه عن قناعة : هذا مصير الجميع - الحياة لن تتوقف عند وفاة أي شخص - يمكنني أن أتعرف إلى أشخاص آخرين رائعين - الحزن المستمر لن يفيد الفقيد ولن يفيدني ولن يفيد من أتحمل مسئوليته - ما أمر به مؤقت لأن الإنسان بطبعه يتكيف وينسى بمرور الوقت ولذا أحتاج لإشغال نفسي بعمل أو دراسة ومع الوقت سيخف الألم .

الشخص الثاني : حزن وبكى وحدَّث نفسه : كيف يعيش بعده - الحياة غير محتملة - أتمنى الموت - لا يمكن تعويض هذا الشخص - الآخرون كلهم ينظرون لمصلحتهم إلا الفقيد كان يحبني لشخصي - لن أنساه أبداً - اجترار مستمر لأحداث سعيدة مع تحسر وبكاء - اجترار لمواقف قام فيها بإغضاب الفقيد وإحزانه (كان يجب أن أفعل كذا - لم يكن يجب علي أن أقول له كذا) مع لوم النفس وجلد الذات باستمرار .

مثال آخر :

مراهق تم حرمانه من المصروف بسبب رسوبه :

الشخص الأول : وما المشكلة ، لن ينتهي العالم مادمت آكل وأشرب وينفقون علي النفقات الضرورية ، إذا اجتهدت في الدراسة فستعود الأمور لأفضل مما كانت .

الشخص الثاني : هذا إذلال - أنا لست طفلاً لينظروا إلي بهذه الطريقة - الكبار بشعون - كل أصدقائي يشترون بمصروفهم ما يتمنونه إلا أنا - لا أستطيع الذهاب للجامعة لأني سأكون أضحوكة بين زملائي .

بالطبع هذا مثال مبسط ولا يشرح أبداً التعقيد الموجود ، ولكن يسهل لأي متأمل أن يعرف أي النموذجين السابقين أقرب للإصابة بالمرض لو كان هذا هو نمط تفكيره العام في حياته مع توافر باقي العوامل الأخرى ، وأي النموذجين أقرب لعدم الإصابة أو على الأقل لتأجيل ظهورها أو لتحسين مآلها إن حدثت .

هل السلوك يصلح في كل الأحوال ؟

هناك حالات يكون احتمال الوراثة فيها أقوى كما أن البيئة السامة نفسها ضاغطة بشكل كبير منذ مولد الشخص حتى أنه لم يتسنى له أصلاً تعلم أي سلوك سوي يفيده قبل إصابته بالمرض ، بينما في المقابل هناك بيئات أخف أو حتى داعمة أو يتسنى للفرد فيها تجنب ما يضغطه وبرغم توافر الاستعداد الوراثي ولكن السلوك له دور قوي في تحديد حدوث الإصابة من عدمها أو على الأقل تأجيل حدوثها وتخفيفها إن حدثت . لذا فالإجابة ليست نعم أو لا بشكل مطلق وإنما تختلف باختلاف الحالة .

ولذا فهل تظن أن النموذج الذي يتم الترويج له من قبل البعض بأن المريض النفسي غير مسئول بأي شكل عن مرضه النفسي وأن مرضه مجرد اضطراب عضوي ناتج عن نقص كيميائي بحت نموذج صحيح أم أنه خاطئ وأن المريض مسئول جزئياً في بعض الحالات المرضية ؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

بالإجابة عن سؤالك الاخير أرى اننا دائما مانتعاطف مع المريض سواءا بمرض عضوي أو نفسي ولكن رأيي ان المريض مسؤول عن جزء من تصرفاته ذلك أن بعض المرضى يتميزون بالذكاء الفائق فيستعملون ذلك حتى في استغلال مرضهم في التعامل وهو ليس بالأمر الهين مطلقا بل أجد هذا النوع أكثر خطرا ،أما عن المرض النفسي اضن ان للوراثة تأثير ولكن أرى التاثير الأكبر هو مايكتسبه الإنسان من تعلم للسلوكات من مرحلة الطفولة إلى.....لأن للتربية دور كبير في تنمية الوعي والإدراك وطريقة التفكير التي أشرت إليها في موضوعك وكيف يفسر أو يتعامل البعض مع نفس الموقف وهو تحليل منطقي ،ان السلوك النفسي سلوك معقد ناتج عن تداخل عوامل كثيرة وكما انه لا يمكن تاطيره ولا التنبؤ به لذا يبقى محل بحث ودراسة مستمرة ومتجددت لذا فإن هناك حالات لا تشبه التي اشرة إليها اضن ان هذا هو متعة علم النفس خاصة ،موضوع مثيرللاعجاب

Admim_Moro أضف ردا

هناك بالفعل من يستغل مرضه في التعامل مع الآخرين ، وهناك من يستغل حتى المعرفة التي يتعلمها في علاجه مرضه السلوكي لإتقان خداع الآخرين والتلاعب بهم (المريض السايكوباتي) .

ولكن لا أستطيع أن أذم كل استغلال لأنه حتى بعض الأشخاص العاديين قد يستغل ولو مرضه العضوي العادي في الحصول على مزيد من الاهتمام والتدليل في بعض الأوقات أو حتى أشياء بسيطة كطعام مميز أو التنزه أو غيره .

بالنسبة للتربية والسلوك فبالطبع لهم دور هام ولكن وجود الخلل الكيميائي أيضاً قد يفسد في بعض الأحيان دورهم لأنه يكون أشبه بنظارة سوداء يشاهد مرتديها من خلالها كل شيء ، فيرى البيئة الساطعة باهتة ، ويرى الأشياء الباهتة داكنة ، بينما لا يرى إلا الظلام الدامس في الإضاءة الضعيفة والتي لا تخلو حياة أحدنا منها مع الظروف والضغوط النفسية .

هذا لا يتعلق بالاكتئاب فحسب بل فلتر يمر عليه كل فكرة وتصرف يتداعى لتفكيره سواء وسواس أو قلق أو رهاب أو غيره ، ولذلك معرفة أين تبدأ مسئولية المريض النفسي وأين تنتهي ليس بالأمر السهل .

المشكلة في النموذج البيولوجي ليس إزالة أي لوم من على المريض النفسي بالكامل فحسب وإنما في عدة نقاط أخرى :

  • حرمان المريض من الإحساس بقدرته على التغيير واستسلامه لكبسولة دواء طيلة حياته .
  • حرمان من لم يصب بالمرض بعد ولكن له احتمالات وراثية للإصابة به من التعلم والتدرب على السلوكيات السوية في فترة صحته والتي قد يترتب عليها عدم الإصابة بالمرض بالكلية أو تخفيفها إن حدثت .
  • النموذج البيولوجي يتسبب في زيادة ثراء شركات الأدوية على حساب المرضى المقتنعين بأن الوراثة هي السبب الأوحد في حدوث المرض .
  • في التحديثات الأخيرة لتشخيص الاضطرابات النفسية بدأت تتسع معايير التشخيص لتشمل أعراض طبيعية وغير مرضية ، على سبيل المثال في الإصدار الخامس للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية dsm-5 ألغوا استثناء الحداد (من مات له قريب كالوالدين وحزن عليه لفترة تزيد عن أسبوعين بدرجة مؤثرة تعطل نشاط حياته كان يستثنى مما سبق من تشخيص الاكتئاب ، والآن تم إلغاء الاستثناء وأصبح يمكن تشخيصه بالاكتئاب بل وإعطائه مضاد اكتئاب أيضاً) وأيضاً بدأ يتسع تشخيص فرط الحركة للأطفال وغيرها للأسف . وهذا يعني أجيال يتم تنشئتها أنه حتى بعض المشاعر الطبيعية تعد مرضاً يستحق العلاج .

نعم اتفق مع راييك ،انت لا تحلل فكرة المرض بل وتعطي ابعادا أخرى له كالاتجاه الاقتصادي النفعي بذلك وهو يوسع النظر للموضوع من زوايا مختلفة وجملتك الأخيرة فيها عمق آخر لاستغلال حتى الأصحاء أرى ان الإنسان لايبالغ كثيرا في ان كل تغيير لنفسية الشخص هي مرض أو تداعيات له ففي النهاية هناك مواقف في الحياة تتطلب الحزن والانفعال و.....و... شكرا لحوارك المثري.