" المنع اصبح شبيه بالتشدد الديني فالدهون حرام والزيوت لاتجوز واللحوم مكروهة واللبن هناك مذاهب تمنعه اما السكر فهو من الكبائر والعياذ بالله ''

في الأيام الماضية، انتشرت نقاشات واسعة حول بعض الآراء الطبية التي أثارت ضجة كبيرة، وأصبحت حديث الناس. لم أكن أتابع الموضوع بشكل مكثف في البداية، لكنني قررت أن أستمع وأشاهد، ثم أسجل بعض الملاحظات الشخصية البسيطة حول الموضوعات الطبية التي نعيشها يومياً. سأكتبها بأسلوب هادئ ومباشر، بعيداً عن التعقيد.

- السكر والحلويات.. المبالغة في المنع

صحيح أن الإكثار من السكر ليس صحياً، وأن الرواية السائدة في الطب تحذر منه. لكن هناك مبالغة واضحة في هذا التحذير، حتى أصبح أي شيء يحتوي على سكر "ممنوع منعاً باتاً". هذا المنع الشديد له تأثير نفسي عكسي، إذ يزيد من الرغبة في هذه الأشياء بدلاً من تقليلها.

معظم الناس لا يعيشون في بيوت تكون ثلاجاتها مليئة بكل أنواع الملذات والأطعمة الفاخرة. أغلبهم يأكلون حسب إمكانياتهم المادية، وحسب ما هو متوفر في الثلاجة أو عند الخضري أو في السوبر ماركت العادي.

الفواكه أصبحت غالية، والحلويات ليست متاحة يومياً. أما الخيارات التي يوصي بها الأطباء (مثل الأفوكادو وغيره من الأغذية الفاخرة) فهي غير متوفرة بسهولة لدى معظم الناس، وغالباً ما تكون موجودة فقط في الأماكن المرفهة .

أيضا فإن المنع اصبح شبيه بالتشدد الديني فالدهون حرام والزيوت لاتجوز واللحوم مكروهة واللبن هناك مذاهب تمنعه اما السكر فهو من الكبائر والعياذ بالله

لذلك .. فالأنظمة الغذائية يجب أن تكون واقعية ومتاحة، لا مثالية بشكل يصعب تطبيقه. والمنع الزائد قد يؤدي إلى نتائج عكسية نفسية، ويجعل الإنسان يشتهي ما هو ممنوع.

- الأطباء والتحاليل والكشوفات المكلفة

يدرس الطبيب سنوات طويلة وينفق أموالاً كثيرة، ويبدو أن بعضهم يحاول تعويض هذا الجهد والمال من خلال طلب تحاليل وأشعة وفحوصات مكلفة حتى في أبسط الحالات. يكفي أن تشكو من سعال أو التهاب بسيط حتى يبدأ الحديث عن إمكانية وجود أمراض خطيرة مثل السرطان أو غيره.

يطلبون حجزاً مسبقاً، وكشفاً، وتحاليل، وأشعة، وكأن كل حالة تحتاج إلى هذا التعقيد. أما في الواقع، فكثير من الناس يذهبون إلى الصيدلي، يصفون له الأعراض البسيطة، فيعطيهم شريط دواء بسيط بـ10 أو 20 جنيهاً، أو قطرة أو دهان، فيتحسنون والحمد لله دون كل هذا الإرهاق والتكلفة.

هذا النظام يرهق الناس مادياً ونفسياً، ويثير الخوف دون داعٍ في أغلب الأحيان.

ثقافة الخوف في المحتوى الطبي

كثير من فيديوهات الأطباء على يوتيوب تعتمد على إثارة القلق الشديد. تتحدث عن أسوأ الاحتمالات، وتفصل في خلايا الدم، والأمراض النادرة، والمضاعفات الخطيرة، حتى لو كان السؤال بسيطاً جداً.

هذا النهج يجعل الإنسان يشعر أنه قد يموت في الصباح التالي. وغالباً ما يكون الهدف تجارياً، إذ يدفع الناس لزيارة العيادات بشكل متكرر. مع أن الواقع يقول إن معظم الناس يعيشون طول عمرهم وهم يتعاملون مع الصيدليات البسيطة ويتمتعون بصحة مقبولة الحمد لله.

اعتقد انه يجب اعطاء الصيدلى ومساعده (غير المتخصص) المزيد من الاحترام وحتي مقابل مادى للاستشارة المجانية

- الأدوية.. هل يجب إنهاء الجرعة كاملة دائماً؟

من التجارب الشخصية، كثير من الحالات البسيطة تتحسن بعد جرعة أو جرعتين فقط. لكن النصيحة الشائعة هي إكمال الكورس كاملاً حتى لو زال المرض. هذا قد يكون غير ضروري في كثير من الحالات، وقد يعرض الجسم لكميات زائدة من المواد الكيميائية.

الجسم عندما يتعرض للأدوية بكثرة يبني مقاومة تجاهها. أما إذا أخذ الدواء حسب الحاجة فقط، فغالباً لا تظهر هذه المشكلة. كذلك، الأدوية القوية جداً يجب الحذر منها، ويفضل الاعتماد على الخيارات الأقل شدة عند الإمكان.

- الطبيب ليس كاهناً ولا ولي أمر

الطبيب إنسان عادي مثلنا، درس كتب الطب في الكلية، لكنه ليس معصوماً ولا يمتلك الحقيقة المطلقة. المعلومات أصبحت متاحة للجميع على الإنترنت، والإنسان المثقف الذي يقرأ ويبحث يستطيع أن يفهم الكثير عن حالته.

لا يجب أن يتعامل الأطباء مع الناس كأنهم جهلة أو أميين لا يفهمون شيئاً. هذه "الوصاية" غير مقبولة. الطبيب استشاري، وليس ولي أمر على عقولنا وأجسادنا.

في الوقت نفسه، المريض هو المسؤول الأول عن صحته. يجب أن يتحمل مسؤولية قراره، ويأخذ رأياً ثانياً أو ثالثاً عند الحاجة، ولا يلقي بالمسؤولية على الطبيب في كل الأمور . اما العنف القانوني والجنائي فهذا يزيد الأمور سوءا ولا يصلحها .

- الأسنان.. بين الخلع السريع والحلول البسيطة

من أكثر التجارب شيوعاً أن بعض أطباء الأسنان يلجأون مباشرة إلى اقتراح خلع الأسنان، وأحياناً يقولون "اخلع كل حاجة". يبدو أن الخلع هو الحل الأسهل بالنسبة لهم.

لكن الواقع أن كثيراً من حالات الالتهاب أو الألم يمكن علاجها بمسكنات ومضمضة بسيطة وعلاج مناسب، دون الحاجة إلى خلع.

أعرف أشخاصاً خَلَعوا أسنانهم كلها بناءً على نصيحة الطبيب، ثم عانوا كثيراً أثناء تركيب طقم الأسنان الجديد: ألم شديد، تعب، تكاليف باهظة، ونتيجة غير مرضية. هذا النهج لا يراعي الظروف المادية للناس ولا الجانب الإنساني. المريض هو الأهم، وليس الطبيب.

- عمليات العيون (الكتاراكت) وما بعد العملية

يقول بعض أطباء العيون إن عملية الكتاراكت سهلة جداً وتستغرق خمس دقائق فقط. لكن تجارب الكثيرين تروي قصة مختلفة. بعد العملية يعاني المرضى من التهابات، دموع مستمرة، ومضاعفات أخرى تستمر لشهور.

التكلفة مرتفعة (تصل إلى 15 أو 20 ألف جنيه)، وغالباً ما يضطر المريض بعد ذلك إلى ارتداء نظارة، بينما لم يكن يحتاجها قبل العملية. بالإضافة إلى تعب المواصلات والزيارات المتكررة للكشف.

الطبيب لا يوضح هذه المخاطر والتبعات بوضوح في البداية، بل يقدم الأمر كأنه إجراء بسيط وسريع. هذا النهج غير مقبول إلا في الحالات المتقدمة جداً التي يفقد فيها الشخص البصر تقريباً.

- علاج السرطان.. بين الفائدة والضرر

في علاج السرطان، يخضع المرضى لأدوية كيميائية قاسية تسبب آثاراً جانبية شديدة جداً: تساقط الشعر، تساقط الأسنان، التهابات، وإرهاق عام.

العلاج قد يستمر لشهور طويلة، والنتيجة أحياناً محدودة. خاصة مع كبار السن (70 أو 80 سنة)، حيث يصبح السؤال مشروعاً: هل يستحق الأمر كل هذا التعب والتكلفة المادية والنفسية، بينما النتيجة غير مضمونة ؟ والانسان سيموت في النهاية فما جدوى المقاومة الزائدة او المسلحة ؟

الجسم يتأثر سلباً بهذه العلاجات القوية، ويبدو أن هناك نقصاً في المنطق والتوازن. لو لم يعطِ الدواء تحسناً واضحاً في الأيام أو الأسابيع الأولى، فلماذا يستمر المريض في تناوله لفترات طويلة وهو يتدهور؟

- الوصاية الطبية ومسؤولية المريض

الدكتور ليس هو الأهم .. أنت الأهم.

يجب أن يتوقف أسلوب "اسمع كلام الدكتور لأنه متخصص"، فهذا يعني وصاية مرفوضة على عقل الإنسان وجسده. المريض له الحق في السؤال، البحث، التفكير، واستشارة آراء أخرى.

المعلومات متاحة، والقرار النهائي يخص المريض نفسه، خاصة في المواضيع التي تتعلق بحياته وجودته.

- الدافع المادي والممارسات التاريخية

لا يمكن إنكار أن الدافع المادي يلعب دوراً كبيراً في بعض القرارات الطبية. التسجيل، الكشوفات، العمليات، والعلاجات المكلفة كلها تدر دخلاً.

هذا يذكرنا ببعض الممارسات الطبية في العصور الوسطى، حيث كانت العلاجات قاسية وغريبة (فتح الرأس، ربط المرضى، إلخ). حتي اليوم، رغم التطور، ما زالت بعض العلاجات تبدو قاسية ومدمرة للجسم أكثر مما تفيده.

- الحاجة إلى بدائل أفضل

يجب أن يكون هناك منطق وتوازن في العلاج. لا يعقل أن تكون الحلول المتاحة إما "ادفع وتعذب" أو "لا يوجد حل".

هناك حاجة ماسة إلى طرق علاج أرقى وأقل ضرراً، مع التركيز على التغذية الجيدة، والصحة النفسية، والصحة الروحية. كثير من الناس يعودون إلى الطبيعة والأكل الصحي بحثاً عن حلول أقل تدميراً .

- التوازن والحس السليم

ليس كل ما يخالف الرواية الطبية السائدة صحيحاً بالضرورة، وليس كل ما يُقال باسم الطب مقدساً وغير قابل للنقاش.

الصحة تحتاج إلى توازن بين العلم والواقع المعيش والحس السليم (common sense). يجب أن نأكل حسب إمكانياتنا، ونعالج بما يناسبنا، ولا نبالغ في الخوف ولا في المنع، ونحافظ على مسؤوليتنا الشخصية تجاه أجسادنا.

في الختام، هذه خواطر شخصية من واقع الناس الطبيعيين. الصحة ليست مجرد تعليمات صارمة، بل هي فن الاعتدال والتعامل مع الواقع كما هو. نأمل أن تكون النصائح الطبية أكثر مراعاة لظروف الناس ، وأقل تعقيداً وتخويفاً في اغلب الحالات .

ما رأيكم في هذه الخواطر؟

أرحب بتعليقاتكم وتجاربكم الشخصية.