تهويل المواقف أو التفكير المستمر في توقع الأسوأ هو أصعب أساليب التكيّف العقلية، وكنت قد رأيت مساهمة هنا منذ بضعة أيام تناولت الفكرة، وودت أن أكتب عنه لأنه لا يشبه التوتر المؤقت قبيل الامتحانات أو حتى القلق الطبيعي حيال أي خطوة جديدة.
الحلقة تبدأ من حياة الشخص نفسه، مواقفه السابقة، الصدمات التي تعرّض لها، علاقته بالمحيطين به، وعليه يتشكل هذا النمط، وجزء منه يكون طريقة العقل لحماية صاحبه من الشعور بأي ألم أو صدمات جديدة، ولكن المشكلة هنا أن تحوّل هذا النمط إلى عادة تصبح هي ال "Default system" يعني تكون وسيلة الفرد العقلانية الوحيدة للتفكير، فعندما يواجه مشكلة عصيبة، أو نسبة فشلها كبيرة مثلًا، تكون الأفكار مؤرقة جدًا جدًا جدًا، لدرجة آلام الجسم والشعور بالتعب المستمر، والدخول في نوبات هلع وغيرها،
لأن المخ عندما يجد نسبة الفشل عالية جدًا في الصورة المستقبلية، يقل إفراز الدوبامين والسيرتونين (هرمونات المزاج)، وعليه يصل الأمر إلى فقدان التحفيز وعدم الرغبة في تجربة أي طريقة لحل مشكلته.
طيب، الحلول ليست فورية، وهو أمر مهم جدًا للتركيز عليه، لأن النمط نفسه صعب تفكيكه بسهولة، هو تشوه إدراكي في ذاته، ولكن من الحلول التي تساعد هي الإلهاء اللحظي وقت اجترار الأفكار، والتنفس بعمق شديد (مرات متتالية كثيرة) لتهدئة الجهاز العصبي، وأمّا ضمن وسائل التعايش مع النمط:
1- الاهتمام بالنوم فترات مناسبة قدر الإمكان، لأنه يساعد جدًا في تخفيف الأرق، والرجوع للتفكير بشيء من التحفيز مرة أخرى.
2- تقبّل عدم حتمية أي شيء، لا جيد ولا سيئ، كل الاحتمالات متشابهة، سواءً بالنجاح أو الفشل، وعدم التقليل من القدرة على تجاوز أصعب مما نتخيل، لأن غالبًا الواقع سيكون مختلف عن أسوأ تصوراتنا.
3- وضع خطة لتحقيق أي هدف مهما كان بسيطًا، لرجوع التحفيز مرة أخرى.
4- عندما يبدأ النمط، تجنّب مقاومته بعنف، ولكن محاولة تفكيك كل فكرة ومواجهتها كما هي دون تهويل، وهذا أسلوب يومي للتعامل مع النمط.
وأنتم، هل واجهتم مسبقًا مواقف كنتم تتوقعون فيها الفشل، وجاء الواقع مغايرًا لذلك؟
التعليقات
توقع أسوأ السيناريوهات ليس مجرد خلل في التفكير، بل هو في جوهره آلية دفاعية ذكية طورها العقل البشري عبر العصور للبقاء على قيد الحياة. استحضار الاحتمالات السيئة يساعد الإنسان على الاستعداد النفسي والمادي لكل الظروف، مما يقلل من عنصر المفاجأة، هذا النوع من القلق التحذيري هو ما دفع البشرية لابتكار وسائل الحماية والوقاية في مختلف مجالات الحياة، من الطب إلى الهندسة.
في تجربة حقيقية رواها رائد فضاء في مذكراته، ذكر أن التدريب المكثف على تخيل كل الأعطال الممكنة والكوارث التي قد تحدث في الفضاء هو ما منحه الهدوء التام عند وقوع مشكلة فعلية. المهم هو جعل هذا التهويل منظما حتى لا يتحول الي وسواس. ربما يكون من الأفضل عدم النظر إلى هذا التفكير كعدو، بل كشريك يحتاج فقط إلى توجيه نحو العمل بدلاً من القلق.
نعم يا نهى، ما تذكرينه صحيح جدًا، ولكن عندما يكون الشخص مدركًا لكيفية التعامل مع هذا النمط، أو يستغله لصالحه دون أن يكون مانعًا لممارسة الحياة بطبيعية أو القلق من خوض التجارب. يعني ما ذكرتيه مثلًا هو ضمن آليات مواجهة القلق بالاستعداد للأسوأ، ولكن الاستعداد هنا لا يتوقف عند مرحلة التفكير، ولكن بوضع خطوات فعلية وخطة سليمة للتعامل مع هذا السيناريو، وعليه يكمّل الشخص تجربته دون خوف يشلل تفكيره. أمّا تشوه الإدراك فهو بسبب تخيّل سيناريو وتحميله بأكثر من شعور سيئ واندفاع وغضب، عكس ما قد يحدث في الواقع أصلًا، التشوه هنا نتيجة للتهويل وليس الاستعداد للأسوأ بعقلانية.
الاهتمام بالنوم فترات مناسبة قدر الإمكان، لأنه يساعد جدًا في تخفيف الأرق، والرجوع للتفكير بشيء من التحفيز مرة أخرى.
كلمة "قدر الإمكان" في محلها لأن الاهتمام بالنوم فترات مناسبة نصيحة مثالية ولا يمكن الاعتراض عليها،
لكن كيف ينام من يشعر أن العالم ينهار وأن كل شيء يسير بالعكس؟
ألن يكون الأرق في هذه الحالة يقظة دفاعية؟
إجبار النفس على النوم قد يتحول إلى مصدر قلق إضافي عندما يراقب الشخص الساعة وهي تمر دون أن يغمض له جفن، مما يزيد من وطأة الفشل في أبسط الوظائف الحيوية.
ذكرت قدر الإمكان لأن نوبات القلق غالبًا ما تؤثر أصلًا في القدرة على النوم، بعض سويعات أو أحلام مزعجة أو غيرها، ولكن في هذه الحالات محاولات النوم، مهما بدت قاسية، وحتى لو انتهت بساعة أو اثنين، أفضل من ساعات التفكير بلا هدف، ولو أمكن تشغيل أي موسيقى للإلهاء او حتى أي برنامج لتشويش مرحلة الأرق حتى تهدأ النوبة، ففي رأيي هذا يمنح صفاءً (نسبيًا) لمحاولة التفكير في حلول عند الاستيقاظ، أمّا دون النوم، فالحالة تسوء جدًا.
محاولات النوم، مهما بدت قاسية، وحتى لو انتهت بساعة أو اثنين، أفضل من ساعات التفكير بلا هدف،
قد يجلس في سريره محاولًا النوم، ولا يخرج من الموضوع بشيء سوى مزيد من القلق بسبب الأسئلة التي سترد إلى رأسه وهو داخل سريره.
فعليه أن يتفق مع نفسه أولًا ويجبرها على ألا تفكر، وبدلًا من ذلك تسترخي وحسب.