بقلم : مريم دياب
يعتقد البعض أن قوة الدول وهيمنتها لا تزال تُقاس بحجم الترسانة العسكرية أو الثروات المالية فقط، ولكن في العصر الحديث، أصبح الأمر أعمق وأخطر من ذلك بكثير. لم يعد المال والقوة العسكرية هما الركيزتين الوحيدتين للسيادة؛ بل برز لاعب جديد ومحوري: "التكنولوجيا". فمن يملك ناصية العلم التقني اليوم، يملك زمام القرار العالمي.
نحن لا نتحدث هنا عن مجرد هاتف ذكي أو برنامج متطور، بل نتحدث عن "العقل المدبر" الذي بدونه تتوقف الحياة الحديثة: (الرقائق الإلكترونية - أشباه الموصلات). تلك القطع الدقيقة ذات التصنيع المعقد الذي لا يتطلب ميزانيات ضخمة فحسب، بل يتطلب علماً وخبرات وأبحاثاً تراكمية استمرت لعقود.
قوة الردع: الرقائق فوق أرض المعركة
لا تتوقف أهمية هذه الرقائق عند حدود الرفاهية التكنولوجية، بل هي "القلب النابض" للسلاح الحديث. في الحروب المعاصرة، لم يعد الانتصار لمن يملك الصاروخ الأضخم، بل لمن يملك الصاروخ "الأذكى". الرقائق الإلكترونية هي التي تمنح الطائرات المسيرة (Drones) القدرة على تحديد أهدافها بدقة متناهية، وهي التي تشغل أنظمة الرادار المعقدة والصواريخ العابرة للقارات التي تصحح مسارها ذاتياً. وبدون هذه الرقائق، تتحول الترسانات العسكرية العملاقة إلى مجرد "حديد خردة" لا يبصر ولا يسمع؛ لذا فإن السيطرة على "المطبخ التايواني" تعني ببساطة السيطرة على ميزان القوى العسكرية في أي صراع قادم.
لتبسيط المشهد: "رغيف الخبز التقني"
لفهم هذه اللعبة المعقدة، يمكننا تشبيهها بعملية صنع الخبز:
المادة الخام (الدقيق): "السيليكون" عالي النقاء الذي تسيطر الصين حالياً على تصديره للعالم.
سر الوصفة (التصميم الهندسي): تحتكره الولايات المتحدة الأمريكية.
الفرن (الآلات): هنا يظهر "الكنج الخفي" (ألمانيا وهولندا)؛ فهما اللذان يمتلكان التكنولوجيا التي تصنع الآلات الفائقة، وهي تكنولوجيا ناتجة عن خبرات عميقة يمكن وصفها بأنها "أسرار حربية" ونفوذ وهيمنة تورث عبر الأجيال.
الشيف المنفذ (المطبخ): تايوان، التي تملك المعامل والخبرات البشرية الفائقة، والقدرة على التنفيذ بدقة متناهية داخل بيئات تصنيع تفوق غرف العمليات الجراحية تعقيماً، وهي خبرات لا يمكن استنساخها بسهولة.
اللعب على المكشوف: والغزو
هنا نطرح رؤية استراتيجية؛ الصين تسيطر على المادة الخام، ولكن يمكن سحب هذه الورقة من يدها واستبدالها بدول أخرى تمتلك رمال السيليكون بنقاء عالٍ،. فبدعم أمريكي لبناء مصانع تكرير متطورة، يمكن لدول أخري أن تحل محل الصين في توريد المادة الخام وتجريد التنين الصيني من إحدى نقاط قوته.
أما الصين، فهي تدرك أن بناء "مطبخ" كتايوان في أمريكا يحتاج لعشر سنوات وتريليونات الدولارات؛ لذا فإن غزو تايوان هو الطريق الأسرع لفرض "الأمر الواقع". وإذا وضعت الصين يدها على هذه المصانع، سيُجبر العالم بأسره (بما في ذلك ألمانيا وهولندا) على التعاون معها. فالعالم لن يقبل بـ "شلل تكنولوجي" لسنوات، وسيضطر للخضوع للقوة المهيمنة الجديدة التي تملك "المطبخ" والمادة الخام معاً.
عنق الزجاجة: النفط مقابل الرقائق
لكن ما قد يعطل زحف الصين نحو تايوان هو (النفط)؛ فالمصانع والجيوش لا تتحرك بدونه، والصين تستورد أكثر من 70% من احتياجاتها النفطية. ومن هنا نفهم سر التحركات الأمريكية؛ فقبل التوجه لإيران، أحكمت أمريكا قبضتها على فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفط في العالم والتي كانت يوماً أحد المصدرين للصين. وبسيطرة أمريكا على هذه الورقة القريبة منها جغرافياً، أصبحت تملك "مفتاح الأمان الذاتي" الذي يضمن احتياجاتها من الطاقة، مما يجعلها تستغني تدريجياً عن نفط الشرق الأوسط ويمنحها حرية أكبر في تقييد حركة الصين عسكرياً واقتصادياً عبر التحكم في ممرات الطاقة العالمية.
السؤال الأهم: ماذا لو؟
تعمل الصين جاهدة الآن على بدائل للسيليكون مثل "الكربون". وهنا نسأل: ماذا لو أعلنت الصين توصلها لنتائج حقيقية في إنتاج رقائق الكربون؟ هذا يعني أنها توصلت لآلات مختلفة تماماً (فرن آخر) قد يكون متطوراً أكثر من "فرن" ألمانيا وهولندا، مما سيقلب الطاولة على الجميع.
خاتمة:
بينما يشتعل هذا الصراع خلف الأبواب المغلقة، يظل هناك بشر لا يدركون حجم الكارثة إذا قرر الكبار التصادم المباشر الذي سيحرق الأخضر واليابس.
وكما أقول دائماً: "يؤسفني أن أرى عالماً يتصارع بالعلم والتكنولوجيا، وعالماً آخر يتصارع على من سيقتني أحدث إصدار من هاتف محمول".
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش