من الإنسان إلى الإنسانية بقلم عبد الغني حوبه جرى بين صديقين حميمين أجمل حوار، على الرغم أن صحبتهم قد طال عليها الزمن وعلا عليها الغبار ، ففرقت بينهم التجارات والأسفار ، وتباعدت منهم البلدان والأمصار ، وذات يوم حصل بينهما لقاح ، وشذى العطر – بلقياهم - قد انتشر و فاح ، فيا له من حدث ، فيه اعتذار وأسف ، لقد جاد الزمان بوصل الأحباء ، وأذن الرحمان بتجمعهم على جبل اللقاء ،بعد تمزق أواصر الوفاء، وما كان من ليال الهجر وأيام الجفاء ،فتعرف أحدهم على صاحبه بعد طول عناء ، وأنكر الآخر وتأبى أشد الإباء ،لكأني به يوسف – عليه السلام- والإخوةالمسرفون ، فعرفهم وهم له منكرون ، فهيا نقلع بكم في الفلك المشحون ، لتسمعوا ما دار بينهما من الحقائق والظنون. توكأ الإنسان على عصاه ، بعد أن أجهده الحرصالدنيوي وأعياه ، وقد فرط في جملة من الحقوق ، وظهر منه الجفاء والعقوق ، وقفت الإنسانية وقد رشح منها الجبين ، وسمع من صوتها الأنين ، فقالت وهي لا تكاد تبين : أهلا وسهلا بك يا إنسان ، على ما سلف منك من حيف وطغيان ، وقطيعة ونسيان ! الإنسان: التحية للإنسانية ومنها الفخار، فهي من حفظت بذاكرتها الوقائع الجسام الكبار، وسجلت ما فعله البشر منأخيار و أشرار ! فهلا سمحتم لي بفتح أبواب الحوار ؟ قالت الإنسانية:قد ثقل سمعي يا مختار ، هل قلت حوار أم شجار ؟! قال الإنسان: بل حوار ، وكل يعرب عن نفسه بالأدلة والآثار ويكشف ما استودع من أسرار، وهو مسؤولعما كسبه من أوزار! بين الإنسان والإنسانية ، صلة قوية ، وعلاقة أبوية ، هناك وحدة في الحروف ، وترتيب في الصفوف ، وود غير مألوف ، الروابط بينهما أساسهاالأمن والإيمان ، تحكمها الضوابط و الشروط والأركان، قد يختلف الإثنان ، ردحا من الزمان ، لكن بعدها يعود الماء للجريان ، كأن لم يكن ما كان . الإنسان هو البشر ، سواء أكان فردا أم جماعة ، فمنهم بريء و آخر صاحب جرم و بشاعة . الإنسانية هي كل المجموعات البشرية بما تحمله من تنوعات فكرية وإيديولوجية وما فيها من اختلافات اثنية عرقية و دينية . فإعمال الفكر والنظر يكون في القواسم المشتركة بين البشر، هو أساس تبادل الثقافات والفكر، والسلامة من كل ضرر. الإنسان هو الجسد الذي يتحرك لتحقيق حاجياته، وتأمين ضرورياته ، فهو بحسب غلبة المكونات إما أن يكون طينيا أو في مصاف السماوات. الإنسانية هي الروح التي تضفي على ذلك الجسد الأنس والسعادة وتجنبه الحزن والكآبة ، وتدعوه للمحافظة على السلم والأمن ، فروح الإنسانية نظرتها شمولية مقاصدية تهدف إلى استقرار البشرية . الإنسان قد ينسى ما جنته يداه من مخالفات وسوءات ، وما ارتكبه في دهره من جرائم فاضحات. الإنسانية لن تنس لأنه ليس من طبيعتها ، و التناسي مخالف لجبلتها ، فسجلها الضخم قد دونت فيها تلك الانحرافات عن نهج الإنسان السوي ، وتلك الخروقات التي يرفضها العقل المنطقي. الإنسان هو الصورة التي التقطت من قريب أو من بعيد ، قد تعكس الحقيقة بالتحديد ، وقد تخالفها وتميل عنها وتحيد ، وذلك على حسب دقة التصوير، و قوة التقدير ، فقد يجمل بعض الناس وجوههم بالمساحيق ، فيطمسون كل معنى روحاني دقيق ، ومهما يكن فللمؤمن من ربه حراسة ، ولن تكذب له فراسة . الإنسانية هي الجهاز الملتقط الذي يحتفظ بكثير من الأشكال التي تعبر عن شخصيات النساء والرجال ، فكم من ابتسامة صفراء خداعة ، وكم من عناق يخفي وراءه الغدر والبشاعة . الإنسان هو الفرع الممثل لشركة كبيرة ، منتجاها متنوعة كثيرة ، وهي ذات سمعة راقية في العالم، فهل يضيرها أن يسيء استخدامها الجاهل المتعالم ، فأصابع اليد الواحدة مختلفة ، والناس متمايزون في كل شيء ، ويبقى الذوق الرفيع مادة نادرة ، هي محض عطاء رباني وسر إلهي ، فالجدير بنا أن نسأل الله أن يحسن أخلاقنا وأذواقنا حتى لا نجرح أحدا ، ولا نظلم أحدا ! الإنسانية هي أصل الإنسان الرئيس، وهي جوهره ومعدنه النفيس ، هي المثالية الأخلاقية ، منها نبعت الرحمة والتضامن والعدل و الحرية . ولنا وقفة مع حقوق الإنسانوحرياته ، فهي تبدأ من المستوى الفردي على حد ذاته ، ثم تنمو لتكون ثقافة للمجتمعات ، ولكن المشكلة أن كل إنسان له مفهومه الخاص لهذه المسميات ، فيفسرها على ما يستلذه من رغبات ، ويحددها على ما يستبشعه من تجاوزات ، فإن كانت الغلطة سمة من سماته، تراه يميل بالضرب المبرح لكل مخطأ على هفواته ، فحقوق الإنسان بريئة من هؤلاء الغشاشين ، الذين يزيفون الحقائق ، ويدعون الرهبنة والرقائق ، ويمرقون من فحوى الصكوك والوثائق ! وهناك آخرون يقتنعون ببعض القيم الحقوقية ، كما لو كان لأحدهم مساحة من حرية ، فتراه يدعو الجموع لهذه القضية ، و ليس لزوجته معه رأي ولا هوية ! فيا له من تناقض رهيب ! ونفاق واضح عجيب ! يدل هذا التناقض على فجوة عميقة، بين يعتقده الإنسان وما يعيش به من جهة غائرة سحيقة ، وبين ما ينبغي أن يحدثه في واقعه حقيقة . مما تقدم نستنتج أنه لن ترتقي الإنسانية إلا بسلم درجاته هي رقي الإنسان ووعيه لذاته ، وادراكه لاحتياجاته ، وحسن ادارته لمشكلاته ، وتخطيطه لمستقبله وتنفيذه لإنجازاته . ارتقاءالإنسانيعنيارتفاعهعنمتعةاللحظةإلى لذة الخلود ، وبحثه عن رضوان الرب المعبود. يبدأ ارتقاء الإنسان من الذات إلى استغلال القدرات وإيجاد المقدراتمن خلال نظرة واقعية مثالية ، ودون ذلك لن يحصل التغير الذي ننشده ! ولن يتحقق الأمل الذي نفقده ! فأما الواقعية هي معرفتك بنقاط القوة والضعف المشتملة، والفرص المتاحة المبتذلة ، والتهديدات الواقعة أو المحتملة ، وأما المثالية فهو التحسين المستمر، والتطوير المبتكر ، ورفع العزائم وشحذ الهمم ، والتشبه بالأنبياء أعلام الأمم . وإذا أشربت القلوب حب هؤلاء ، ارتوت من شربتهم ، وصبغت بعد بصبغتهم ، ولم تر إلا الطريق على منهاجهم ، عندئذ يحدث بين الإنسان والإنسانية الوفاق، وتتصل الأرض بالسبع الطباق ، فيحصل التناغم والالتئام ، وتزول الجروح والآلام . حينما تغيب فكرة رقي الإنسان في سلوكه ومعاملاته ، ولا تحتل المراتب الأولى ضمن قائمة الأولويات ، فليس هناك حضارة راقية ، ولا عين ساقية ، فالحضارة عند مالك بن نبي هي:" البحث الفكري والبحث الروحي "وألكس كارييل يعرف الحضارة بأنها :" الأبحاث العقلية والروحية والعلوم الخادمة لسعادة الإنسان النفسية والخلقية والإنسانية " فالحضارة إذن هي ما ينتجه الإنسان من أفكار ومبادئ وقيم فيها إضافة لمسيرة البشرية ، فالإنسان هو ركيزة الحضارة ، وهو شعلة المنارة . قمة ارتقاء الإنسان حين يذوب في أمته ، فضميره ضميرها ، وقلبه قلبها والمستقبل عنده في أن يساهم ببناء لبنة في صرحها العظيم ، ألا تراه يربي الأجيال ويصنع الأمل في قلوبهم ، ألا ترى أنه يتسابق ليجود بنفسه التي بين جنبيه ويغادر أهله وأحبته طمعا فيما عند الله ، ألم تره ينفق ماله الذي تعب في جمعه بالليل والنهار بحثا عن مرضاة الله ، ومع كل هذه الجهود المعتبرة ، فهو لا يستنكف أن يوصف بالعبد ، بل ولا يرى لنفسه ظلا ، ففي ظنه أن أعماله توفيق من رب العالمين ، وهدية من أكرم الأكرمين ، فيندثر بعدها مبدأ الشخصنة الممقوتة ويكسر صنم الأنا الأعظم ، وتغيب النظرة الوحشية ، وتزول نظرية المصالح الآنية. وأخيرا ، لا تنس – في عصر الآلة - أنك إنسان ، فاجعل قلبك محبا لبني البشر، وعقلك مدركا لمقاصد الفكر ، وجسدك متحركا ليحفر بصمة وأثر، فكن إنسانا بكل معاني الإنسانية ، دع عنك الغرور والظلم و الأنانية ، تضمن السعادة والأريحية ، وصل الله وسلم على محمد خير البرية .