مررت في حياتي بمرحلتين:

في المرحلة الأولى كانت نظرتي إلى الحياة إيجابية جدًا. كنت أرى أن على الإنسان أن يتوقع الأفضل ليحصل عليه، وأن يُبعد فكره عن كل ما هو سيء حتى يتجنبه. لم أكن متأثرًا بكتب تطوير الذات، إذ لم أكن قارئًا لها أساسًا. ولكنها كانت التجارب البسيطة التي مررت بها. كان ذلك في مرحلة عمرية لم أكن مضطرًا فيها لمواجهة الحياة ومشاكلها ومتاعبها، وكان أكبر همومي هو إتمام حل الواجبات المدرسية واجتياز الاختبارات بنجاح وتفوق، وكنت أجيد ذلك، وبذلك تطورت النظرة الإيجابية والإيمان بقوة الأفكار وما إلى ذلك من أمور صرت أراها من التفاهات فيما بعد.

أما المرحلة الثانية فكانت الانقلاب التدريجي لذلك المعتقد، فبعد أن كانت الأفكار وحدها تكفي لتحقيق المستحيل، أصبحت الجهود الحثيثة لا تكفي لتحقيق ما هو أقل من المستحيل. تزامن هذا الانقلاب مع تغير ظروف حياتي واضطراري إلى تولّي كافة أموري وشؤون معيشتي لوحدي – الغربة. لم أكن منزعجًا من تلك النظرة أبدًا، ولم أرَ أنها تدفعني نحو الهاوية لا من الناحية النفسية ولا العملية. كنت أرى أن هذا التغير لم يكن من الإيجابية إلى السلبية، بل كان تغيرًا من المثالية إلى الواقعية، الواقعية التي تدفع الإنسان لأن يأخذ بالأسباب وأن يبذل كل جهده ليس فقط لتحقيق أحلامه، بل حتى لتحقيق الحد الأدنى من الحياة الطبيعية الكريمة. كانت تلك النظرة تمدّني بالطاقة وتعطيني قيمةً عالية عندما أنظر إلى نفسي، فأنا الآن رجل ناضج يجدّ ويكدح في دراسته وفي حياته خارج المدرسة.

بعد التخرج، وبعد الجلوس على مقعد الوظيفة، ساءت تلك النظرة، وبدأت تتحول تدريجيًا من (كيف أعيش؟) إلى (لماذا أعيش؟). حياة الدراسة كانت مليئة بالتحديات والتطلعات، فبعد المثابرة هنالك اجتياز للاختبار، وبعد اجتياز الاختبار هنالك التفوق، وبعدها التخرج المجيد، وبعده الحياة الجديدة بكل ما تحمله من تحديات وتطلعات جديدة. انقضى الوقت الذي كنت أصفه بأنه (سيمضي)، ورستْ السفينة على ميناء تلك الحياة الجديدة، واكتشفت أنها حياة تخلو من الأحلام، بل وربما تقتلها إن تجرأت على الظهور. في خضم هذا الصراع النفسي مع الروتين وعدم توقع ما هو جديد ومختلف، تبدأ المعاني في التلاشي وتبقى فقط الأشياء. فالزهور ليست مخلوقات جميلة ذات شذى ساحر، هي فقط زهور، لا أقل ولا أكثر. حتى الأصوات التي تصدرها الأشياء تصبح مألوفة حدّ الضجر، صوت الماء المنسكب في الكوب، وصوت المفتاح في قفل الباب، وصوت تشغيل محرك السيارة في الصباح قبل التوجه إلى العمل. في هذا الفراغ المعنوي بالتحديد يتحول ذلك السؤال من (كيف أعيش؟) إلى (لماذا أعيش؟) وتبدأ في تذكّر تلك الشجرة التي سقطت في الغابة ولم يسمع سقوطَها أحد، ثم تنظر إلى نفسك وتقول: هل سأتحطم دون أن يسمعني أحد؟ أم هل أنا أتحطم الآن فعلًا دون أن يسمعني أحد؟

هذا النص ليس دعوة إلى العدمية ولا مبررًا لها، بل هو تأكيد على أهمية أن يكون للإنسان حلم يتطلع إليه، وأن يكون له هدف يعمل لأجله؛ وتذكير بأن قيمة الإنسان قد لا تكون في نظرة الناس إليه، ولكنها حتمًا في نظرته هو إلى نفسه في المستقبل. أبشع الكوابيس التي تمرّ عليّ هي وجودي في هذه الحياة بعد 30 أو 40 سنة إن أنا بقيت فيها، هل سأكون كما أنا عليه الآن؟ هل سأفعل ذات الشيء الذي أفعله الآن كل يوم؟ إذنْ ما الجدوى من كل شيء؟