“بدءاً من اليوم، سأقضي خمسة عشر يوماً محجوزاً في الكتيبة ...”

كنت قد كتبت هذه الكلمات منذ ما يزيد على السنتين، تحديداً في العاشر من أكتوبر من عام 2013، وقبل عيد الأضحى بخمسة أيام. حيث أُخِذْتُ بسوء فهم من ضابط صف في الكتيبة ﻷعاقب بعدها على رفضي الإنصياع للأوامر العسكرية.واتهمت يومها بعصيان الأوامر العسكرية والإهمال في أداء مهمتي، وفي الحقيقة فإن ما حدث هو اﻷولى وما تم تسجيله هو الثانية تخفيفاً للعقوبة!، فإن عصيان الأوامر العسكرية يعني أنني سأدخل محاكمة عسكرية وغالباً سيتم تحويلي لسجن عسكري!.

لكن قائد الكتيبة اختار تسجيل أنني أهملت في أداء واجبي العسكري لكي يخفف العقوبة عني، فقد كنت على وشك إنهاء خدمتي العسكرية من ناحية، و من ناحية أخرى فإنني حسن السيرة في الكتيبة وهذه نادرة أن تحدث مني، فلعل وراءها ما خفي!، هكذا حدث قائد الكتيبة نفسه، فقد كان يعلم أن من يشتكيني كان يأتيه أحياناً ليكيد لي عنده، فيخبرني بما يحاك ضدي، ويأمرني أن آنتبه إلى نفسي.

بخصوص حُسن السيرة، هذا ليس نبلاً مني، وإنما بسبب من كان يغض الطرف دوماً عن أخطائي ويعاملني كأخيه الصغير! بارك الله لهما.

الحدث نفسه!

وما وقع في الحقيقة تافه ﻻ يستحق الذكر، غير أنني سأذكره من باب سرد الوقائع. ذات ليلة كنت خارجاً من موقعي لبعض شأني إذ رأيت نوراً ساطعاً يضرب في مبنى مقابل للوحدة، فذهبت ﻷقرب من حولي ﻷسأله. وفي طريقي إليه اضطررت أن أقفز نصف متر لكي ﻻ أطأ عشباً كان قد زرعه أحد الضباط –برغم علمي أن تلك البقعة التي قفزتها قد خلت تماماً من العشب بسبب وطء الجنود لها!–، ثم وقفنا نتحدث بجانبها. 

مرت دقيقة تقريباً وأنا واقف أسأل صاحبي عن ذلك الضوء الذي رأيت، إذ مر جندي على تلك البقعة التي ذكرتها، فنهرته بصورة تلقائية لوطئه لها!. ربما يكتمل المشهد إذا أخبرتك أن ذلك الضابط الذي يهتم بزراعة ذلك العشب كان يجلس في مكان ليس ببعيد عنا، وأنا أعرف أنه جالس هناك. 

هل نهرت الجندي تعريضاً بذلك الضابط؟ كلا. فلم أكن أحمقاً لتلك الدرجة ﻷقع مع ذلك الضابط على وجه الخصوص، أو لكي أقع مع أي أحد في مشكلة، فقد كان أثر أي فعل لي يعود على ضابط الصف المسؤول عني، وقد كنت أحذر قدر استطاعتي أن أجلب لهما الأذى. لم تمض لحظة حتى صاح بي ضابط صف الكتيبة ﻵتيه، ثم أمرني في منتصف الطريق أن أنزل راقداً على بطني!. لقد ظن أنني عرضت بذلك الضابط حين نهرت الجندي، فأراد أن يعاقبني على فعلتي الشنعاء تلك!، وقد كان ذلك الضابط جالساً معه وقتها.

بالطبع رفضت رفضاً قاطعاً أن أمتثل للأمر، من باب أنها إهانة ﻻ أقبلها، ومن باب ظني أنه ربما يستمع حجتي فيفهم أنني ما قصدته بكلامي. فعز عليه أن يرفض جندي أمراً أمام مرأى من الكتيبة كلها، فإن ذلك إسقاط لهيبته وسط الجنود، وخيرني بين أن أمتثل لأمره أو يحولني إلى القائد!. فأخبرته وأنا أمسك أعصابي من انفلاتها أنني لن أخضع ﻷمر كهذا، حتى لو عنى ذلك محاكمة عسكرية!، فالمبدأ ﻻ يتجزأ. وقد كان مبدأي في هذا أنني ما التحقت بالخدمة ﻷتعلم كيف أحني رأسي، وإنما دخلتها بإرادتي المطلقة ابتغاء مآرب أخرى لم يكن من بينها الحصول على شهادة إنهاء خدمة إلزامية!، فما كان يعنيني أي وصف يوضع في تلك الورقة.

ما وراء الحدث

ولست مستغرباً فعلهما على أي حال، ﻷنني أعرف دوافعه، فقد شاركت في صنعها!. وذلك أنني كنت أخدم في موقع تابع للكتيبة ضمن مواقعها الكثيرة، غير أن ذلك الموقع يقع ضمن أسوار قيادة الكتيبة نفسها. وخدمتي في ذلك الموقع ﻻ تلزمني بقضاء أعمال الكتيبة الإدارية، اللهم إﻻ فيما ندر، فإن لي قيادتي ومحل خدمتي وواجباتي التي تخصني. لكن بسبب أنني بداخل الكتيبة، فلم يكن يقوم بالخدمة في الموقع من الجنود غيري، اعتماداً على جلب بعض جنود من الكتيبة إذا تطلب اﻷمر ذلك.

وذلك كان يعني في صور أخرى أنني سأغدو وأروح في الكتيبة غير متقيد بشئ من أعمالها إﻻ ما يخص موقعي، وﻻ أستجيب ﻷي أمر من ضباط الصف أو الضباط في شئ إﻻ من قيادة موقعي. وتلك الصورة لم يرضها بعض ضباط الصف الذين وفدوا على قيادة الكتيبة حديثاً، وإنما أعني بالتحديد ذلك الضابط وضابط الصف الذي أراد معاقبتي غضباً لصديقه الضابط.

ولكي ترى ذلك الضابط كما رأيته، فهو رجل في عقده الرابع، قد توسط في الرجال فليس بالطويل وﻻ بالقصير، وخط شارباً كثيفاً بارزاً من وجهه، وامتلأ جسده حتى ثقل على المهمات اليومية للمقاتل المسلح، قد بدأ في القوات المسلحة كضابط صف ثم ترقي إلى ضابط، وقد اعتدنا أن نناديه "عم عادل”. ولم يكن يرضى بحضوري في الكتيبة، فقد كنت أصلي بالجنود وأخطبهم يوم الجمعة، وأؤذن وأقيم أيضاً في بعض الأحيان، وﻻ أساعد زملائي في صيانة سلاح وﻻ خدمة حراسة، وﻻ أحضر طوابيرهم وﻻ اجتماعات الكتيبة، وﻻ أمتثل ﻷمر أحد في الكتيبة إﻻ من قيادة موقعي وقائد الكتيبة.

ولم يكن ذلك تمرداً مني، بل لما كنت أحمله من مهمة في موقعي، فعلى عكس بقية الجنود الذين يقضون ساعات الحراسة ثم ينصرفون إلى شؤونهم، فإنني ﻻبد أن أقوم من الصباح حتى العاشرة مساءاً مثلاً، ثم أرقد للنوم في الليل بين المعدات التي أعمل عليها، فإذا ما انطلق إنذار ما (وكثيرا ما كان يفعل) فعلي أن أقوم وأبقى معها إلى أن أعالج الخلل. وقد كان ذلك يعني أنني قد أقضي أياماً ﻻ أنام فيها بالليل من إزعاج صافرات الإنذار (تلك الصافرة الغبية تستطيع سماعها من فوق ما يزيد عن خمسة عشر متراً من الخرسانة والتراب والبناء المصمت)، الأمر الذي اضطرني إلى الهرب أحياناً إلى غرف أخرى في الموقع بين كابلات الكهرباء الثقيلة أو بجانب البطاريات الضخمة أملا في الحصول على الهدوء.

وكأن ذلك لم يكن كافياً، فقد كنت أقوم في ليلة على تلك الصافرة وﻻ أرى شيئاً!!، .. ﻻ، أعني .. حقاً، ﻻ أرى أي شئ!، فأعلم حينها أن التيار قد انقطع عن الموقع، وعلى أن أتحسس طريقي في ذلك القبر القابع تحت الأرض بأمتار عديدة ﻷخرج منه إلى كوكب الأرض وأدير محرك الديزل، ثم أعود إلى قبري مرة أخرى ﻷتحسس طريقي في تلك الظلمة الحالكة التي تلتهم ضوء مصباح الهاتف الذي جلبته منه لما خرجت أدير المحرك، ﻷحول التيار من المحرك إلى الموقع عبر سكين كهرباء ﻻ تستطيع أن تخطئ فتلمسها بيدك وإن كنت في تلك الظلمة الحالكة.

وﻷن قوة موقعي كانت تتطلب مثل القوة التي في الكتيبة بالكامل :D ، ولم يكن يقوم به غيري أنا وضابط الصف، فقد كان قادتي المباشرين يغضون الطرف عن المهمات الإدارية التي قد أتأخر في أدائها نظراً ﻷنني وحدي. فلما أن أتى عم عادل إلى الكتيبة ووجد الحال على ذلك، ظن أنني أتصرف كأنني فوق الجنود أو شيئاً من ذلك، خاصة أنني ﻻ أشاركهم أعمالهم وﻻ التزاماتهم في مقابل أنني ﻻ أطلب مساعدة من قوة الكتيبة في شئ، اللهم إﻻ فيما ندر (وإن كان ضابط الصف المشرف علي يقترح علي ذلك مرة وأقترح عليه أخرى، لكنها مرات ﻻ تتجاوز كلمة قليلة).

فلما أن رأى ذلك الوضع لم يعجبه وصار يتصيد لي الزلة تلو أختها، وتابعه على ذلك ضابط الصف المشرف على الكتيبة حيث كان صديقاً له، وقد ظفرا مني بتلك الزلة يوم أن رفضت الإنبطاح على الأرض. وقد كنت آليت على نفسي أﻻ أنفذ أية أوامر عسكرية أظن أنها تنقص من قدري، وتكرر الأمر مرتين أو ثلاثاً على مدار خدمتي العسكرية، وعصيت الأمر فيها كلها، حتى في المرة التي كنت فيها مخطئاً، طلبت اختيار أي عقاب غير هذا، ذلك يعني بالطبع أن يتفنن ضابط الصف في اختيار عقاب يناسب ذلك الجندي العاق.

حتى في تلك المرات التي كان يطلب مني أحد ضباط الصف تنفيذ مهمات عادية ﻻ بأس فيها، كنت أرفض ذلك ﻷن باعثه على طلب ذلك مني كان إيعاز أحد الجنود المقربين إليه أن مره فليفعل كذا، وكأني قرد يفعل ما يطلب منه المشاهدون. وفار الدم في عروقي حينها، ورفضت رفضاً قاطعاً أن أمتثل، ويتكرر مشهد التهديد والوعيد بالويل والثبور. … ثم ﻻ يكون من ذلك شئ بسبب أني لم أكن ملزماً بقضاء أية أوامر خارج نطاق موقعي كما قلت.

ولما أن جاء يوم العرض على القائد، ذلك اليوم المشهود، وأنا أرى ضابط الصف يسرد الواقعة على القائد وعم عادل قد اتخذ مقعداً بجابنه ينظر للأرض في غضب محزون، حتى إذا انتهى ضابط الصف رفع القائد وجهه إلى موجهاً شاربه العريض بدقة إلى الهدف الذي أمامه (وجهي)، ليسألني عما أقول في ذلك الإتهام. وأسعفني في ذلك تذكري للتفاصيل كأنها تحدث مرة أخرى أمامي، وإني ﻷعجب كيف أذكر تلك التفاصيل بدقة رغم علمي أني أكره التفاصيل؟ شئ علمته عن شخصيتي فيما بعد أنها ﻻ تنسى تلك التفاصيل التي جلبت لها سعادة أو ألم. فانتهى الأمر أن قضى القائد بتسجيل الأمر على أنه إهمال في أداء الواجب العسكري، وليس عصياناً للأمر المباشر تخفيفاً للعقوبة.

أعتقد أنني وبعض من معي سرنا بذلك النهج طيلة مدة الخدمة العسكرية، فقد كان من بداية أمرنا أن سجن أحد رفاقنا في تهمة بسيطة، وقمنا ننافح عنه ونلتمس الإفراج عنه، فلم نقابل برد من ضابط الصف إﻻ أننا يجب أن نصرف اهتمامنا إلى شؤوننا الخاصة. وفار الدم في وجهي ﻷول مرة في خدمتي العسكرية حينها، وقد كنت واعدت نفسي أن تضبط اعصابها أمام الإستفزاز الذي يتكرر كثيرا في الوحدات العسكرية والذي كنت أسمع عنه قبل التحاقي. إﻻ أن ذلك كاد يقطع وترا حساسا في أعماقي، كيف لي أن أترك زميلاً لي يحتاج مساعدتي دون أن أفعل شيئاً؟ كيف وقد التحقت يا سيدي بتلك المؤسسة ﻷتعلم أن أرفع رأسي، ﻷتعلم أن أحمي من حولي، كيف تأمرني ألآن أن أتخلى عن زميلي في تافهة؟! كل ذلك وأنا أحدثه. كان يبدو للسامع أني آخذ أمر العسكرية بجدية أكثر من اللازم، وقد كانوا محقين في ذلك تماماً.

وبعد محاولة ناجحة ﻹخراج زميلي من قبضتهم، تبين لي أنني كنت ساذجاً حين اعتقدت أن هناك الكثير ممن يحمل تلك الروح المقاتلة بداخل تلك المؤسسة التي انضممت لها حديثاً، فكان من أمري بعدها ما قصصته في أول حديثي.