كنت في الصف الثاني المتوسط، يوم وقفت المعلمة بيننا وقالت بلهجتها الواثقة: "اكتبوا موضوع إنشاء عن:
هل يمكن للشاشة أن تحل مكان الكتاب؟". كان ذلك الزمن قبل انتشار الأجهزة الذكية، لكن في داخلي نبضت إجابة مختلفة. أنا، الطفل الذي كان يلتهم كتب الخيال العلمي، ويحلم بالمستقبل كما لو كان يحمله بين يديه، كتبت بحماس: "نعم، ستحل الشاشات مكان الكتب! ستكون هناك مكتبات في جيب كل إنسان، وكلمات تضيء بنقرة واحدة!".
بالطبع، لم أنسَ في موضوعي أن أتغزل بسحر الورق، ورائحة الكتاب، وتلك العلاقة الحميمة بين القارئ والصفحات. لكن جوهر رؤيتي كان تحدياً ( التكنولوجيا قادمة لا محالة).
عادت الأوراق مصححة بعد أيام، وفوجئت بعلامتي المتدنية. كتبت المعلمة بتعليق أحمر: "الكتاب سيظل الأفضل دائماً". شعرت كأن سكيناً قطع حبري فجأة. كنت أرى نفسي كاتباً صغيراً، وكانت تلك أول ضربة لقناعاتي. لم تزعجني العلامة بقدر ما آلمني أن الفكرة نفسها حُكم عليها قبل أن تُناقش.
اليوم، بعد سنوات، أضحك حين أرى العالم بين شاشات تلمس وأجهزة تقرأ أفكارنا. لكني ما زلت، كما كنت، أطبع ما يعجبني من النت لأقرأه ورقياً. ربما كانت المعلمة تحاول حماية قدسية ما تؤمن به، لكن السؤال الذي ظل يطارحني:
أليس من الظلم أن يُهدر جهدٌ مليء بالبيان والبلاغة لمجرد أنه خالف فكرةً راسخة؟ أين تذهب روح الإبداع إن حوّلنا التعليم إلى محاكم تفتيش لأفكار الصغار؟
التعليقات