كيف تفشل الشركات في أول 24 ساعة من الأزمة الإعلامية؟

كتب :د. محمود المنير

عميد كلية الإعلام والعلاقات العامة - الجامعة الإسلامية - ولاية مينيسوتا - مدير مركز أفق المستقبل للاستشارات

لا تُقاس قوة الشركات في أوقات الاستقرار الاعتيادي، بل في اللحظات الفارقة التي يختل فيها التوازن فجأة ، وتُسحب منها رفاهية الوقت لاستعادة زمام الأمور، وتُجبر على اتخاذ قرارات تحت ضغط الجهات الرقابية والرأي العام. في تلك اللحظة تحديدًا—أول أربعٍ وعشرين ساعة من الأزمة الإعلامية — تنكشف حقيقة المؤسسة: هل هي كيان يملك وعيًا استراتيجيًا، وخطة مرنة للتعامل مع المخاطر المحتملة أم مجرد هيكل ضخم يتداعى عند أول اختبار علني؟

للإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى تشريح مثل هذه اللحظة التي تنكشف فيها حقيقة القوة المؤسسية لنعرف كيف تفشل الشركات في أول 24 ساعة من الأزمة الإعلامية ؟

التاريخ الإعلامي الحديث يثبت أن معظم الشركات لا تسقط بسبب الأزمة نفسها، بل بسبب الطريقة التي تتصرف بها فور اندلاعها. فالأزمة ليست حدثًا مفاجئًا بقدر ما هي مرآة مكبّرة لثقافة داخلية، وأنماط تفكير القيادة داخل هذه الشركات، وقرارات مؤجلة طالما لم تُختبر تحت الضوء.

في عام 2017، حين انتشر مقطع جرّ أحد الركاب بعنف من طائرة تابعة لشركة United Airlines، لم تكن المشكلة في الفعل وحده، بل في رد الفعل الأول. البيان الأول الذي صدر عن الإدارة لم يعترف بالخطأ، بل حاول إعادة صياغة الواقع بلغة باردة ودفاعية، وكأن السيطرة على الكلمات كفيلة بالسيطرة على المشاعر. خلال ساعات قليلة، فقدت الشركة السيطرة على السرد الإعلامي، لأن الجمهور—حين يُستفز—لا ينتظر تصحيحًا متأخرًا، بل يفرض روايته وسرديته الخاصة. هنا يتجلى أحد قوانين القوة الخفية في استعادة زمام القيادة والتحكم في تدفق السردية المتعلقة بالأزمة: من يتأخر في تسمية الحقيقة، يسمح لخصومه بتسميتها عنه.

غالبًا ما تفشل الشركات في الساعات الأولى لأنها تدخل الأزمة بعقلية الإنكار. الإدارات تميل إلى التقليل من شأن الحدث، لا بدافع سوء نية، بل بدافع الخوف من الاعتراف والشفافية. غير أن هذا الخوف ذاته يخلق فراغًا خطيرًا. وفي عالم الإعلام الرقمي، الفراغ لا يبقى فارغًا. تُملؤه التكهنات، والتأويلات، وتفسح المجال للسرديات المضادة التي يمكن أن يطلق الخصوم إضافة إلى الغضب المتراكم. وهنا يتحول الصمت من أداة تهدئة إلى وقود تصعيد.

إلى جانب الإنكار، يظهر خلل آخر أكثر عمقًا: غياب مركز قرار إعلامي واضح يشرح المواقف بكل شجاعة وشفافية. في كثير من الأزمات، تتحدث الشركة بأصوات متعددة في وقت واحد — مدير تنفيذي يرسل رسالة داخلية تتسرّب للخارج، متحدث رسمي يقدّم رواية مختلفة، وإدارة قانونية تحاول التحصّن خلف لغة تقنية. النتيجة ليست مجرد ارتباك، بل رسالة غير معلنة تقول للجمهور إن المؤسسة نفسها لا تعرف ماذا تريد أن تقول. وفي الحروب الإعلامية، الارتباك يُقرأ دائمًا كضعف.

أزمة منصة Carta التقنية مثال صارخ على هذا النمط. حين اختلطت الرسائل الداخلية بالخارجية، لم يعد الجمهور يميّز بين اعتراف، وتبرير، وتفسير. فبدل أن تُحاصر الأزمة داخل إطار واضح، اتسعت رقعتها، لأن الشركة فقدت السيطرة على الإيقاع. بحسب روبرت غرين؛ من لا يتحكم في الإيقاع، يخضع لإيقاع خصمه. وهذا ما يحدث بالضبط في اليوم الأول من الأزمات الإعلامية التي تواجهها بعض الشركات.

ثم هناك الخطأ الأكثر استفزازًا للجمهور: البيانات الدفاعية الجافة. كثير من الشركات تعتقد أن إصدار بيان "صحيح قانونيًا" يكفي. لكن الجمهور لا يقرأ البيانات بعين محامٍ، بل بعين إنسان متأثر. حين تصدر شركة بيانًا ينفي، يبرر، أو يحمّل أطرافًا أخرى المسؤولية، فهي لا تدافع عن نفسها بقدر ما تعلن انفصالها العاطفي عن الواقع. في تلك اللحظة، لا يبحث الناس عن تفاصيل، بل عن اعتراف ضمني بالمسؤولية، أو على الأقل عن إدراك لحجم الضرر.

الأزمات التي تمس بشرًا حقيقيين—عملاء، موظفين، مجتمعات—لا تُدار بلغة تقنية. تجاهل البعد الإنساني في أول 24 ساعة هو بمثابة خسارة معركة التعاطف، وهي معركة لا يمكن تعويضها لاحقًا بسهولة. الشركات التي تفشل هنا لا تُعاقَب لأنها مخطئة، بل لأنها بدت غير مبالية.

أما على مستوى السوشيال ميديا، فالفشل غالبًا ما يكون أكثر فداحة. حذف التعليقات، إغلاق الحسابات، أو تجاهل التفاعل أو الدفع بحسابات تحسن صورة الشركة وتقفز فوق الأحداث لا يقلل من الضجيج، بل يضخّمه. المنصات الرقمية ليست ساحة يمكن إغلاقها عند الخطر؛ إنها فضاء مفتوح تتشكل فيه الأحكام بسرعة هائلة. ومن لا يشارك في النقاش، يصبح موضوعًا له. في هذه اللحظة، ينتقل مركز القوة بالكامل إلى الجمهور، وتتحول الشركة من فاعل إلى متلقٍ للضربات.

لكن خلف كل هذه الأخطاء الظاهرة، يكمن سبب أعمق: غياب الاستعداد. الشركات التي تفشل في أول يوم لم تُهزم في تلك الساعات، بل قبلها بسنوات، حين تجاهلت بناء سيناريوهات، أو تدريب فرقها، أو تحديد من يملك القرار عند الطوارئ. الأزمة لا تصنع الفوضى؛ هي فقط تكشفها.

في النهاية، أول 24 ساعة من الأزمة الإعلامية ليست مرحلة عابرة، بل اختبارًا مكثفًا لذكاء المؤسسة، ونضجها، وفهمها لقوانين القوة الحديثة. الشركات التي تنجو ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تفهم أن السيطرة في زمن الأزمات لا تُبنى على الإنكار، بل على الوعي، والسرعة، والقدرة على توجيه السرد قبل أن يتحول ضدها.

ختاماً: نحن نعيش في عالم تُصنع فيه السمعة بالكلمات، وتُهدم بالتصرفات، وتظل الحقيقة واحدة: الأزمة لا تكشف ما حدث، بل تكشف من أنت عندما حدث.