أحد أعضاء الفريق بدأ يلمح لرغبته في إطلاق مشروعه الخاص. المشروع خارج مجال عمل الشركة، لكنه يحتاج وقت وجهد، وربما دعم معنوي. هو ملتزم حتى الآن، لكنك تلاحظ تراجع بسيط في التركيز، أو تكرار للغياب بعذر الظروف التي أنت بالفعل على علم بها.
هو لا يخفي طموحه. بل طلب إذنك بصراحة. يرى أن المشروع مستقبله، لكنه لا يود ترك الوظيفة الآن.
هنا تتقاطع عدة محاور هامة:
-الالتزام الوظيفي مقابل الطموح الشخصي
-الولاء للفريق مقابل الرغبة في الاستقلال
-حق الموظف في التطور مقابل حق المؤسسة في حماية مصالحها
قد يبدو الموقف بسيط في ظاهره، لكنه يضع المدير أمام مفترق حساس.
هل يثق؟ هل يحتاط؟ هل يتعامل بحزم؟ أم بدعم مشروط؟
الخط الرفيع بين الاحتراف والدوافع الشخصية… من يرسمه؟ ومن يتحمل تبعاته إذا انكسر؟
فكيف تتعامل مع موظف طموح يريد إطلاق مشروعه الخاص أثناء عمله معك؟
التعليقات
حدثني عميل ذات مرة عن موظف عمل لديه سنوات طويلة، وكان أداءه ممتازًا وأتقن مهنته حتى أصبح ركيزة أساسية في الفريق، ولكن مع مرور الوقت بدأ هذا الموظف يعمل على مشروعه الخاص، بل وزاد على ذلك أن أصبح ينافس صاحب العمل نفسه في نفس السوق، بمعنى آخر بدل أن يكون دعمًا وسندًا، تحول إلى خصم يحاول جذب زبائن الشركة، مما تسبب في مشاكل وتعقيدات كبيرة، الطموح أمر محمود ويجب دعمه، ولكن عندما يبدأ بالتأثير سلبًا على مصلحة العمل، تصبح الأمور أكثر حساسية ويجب التعامل معها بحذر.
حسنًا، أنا أتفق جزئيًا أن فكرة جذب نفس عملاء الشركة هو اسلوب غير احترافي بين الزملاء، ولكن في الحقيقة ما فعله الموظف هو الاهتمام بطموحه وقدراته ولا يُعاب عليه في أي شيء، سوى نقطة التحايل على السوق وجذب العملاء إليه بحكم المعرفة المسبقة، تلك نقطة سيئة جدًا.
ولديًّ تعليق هنا، بإمكان العميل طبعًا الحفاظ على ولاء العملاء من خلال تفاوضات احترافية، ومنها ما سيكون شخصي بحكم العلاقات الطويلة، ومنها ما سيحتاج استراتيجيات تسويقية جديدة كليًا، وبالطبع تجنب أي مشاحنات مع هذا الموظف، وتركه يمضي في سبيله.
المشكلة ليست في رغبة الموظف في النمو، بل في الطريقة التي يتم بها هذا النمو. أن تستثمر الشركة في شخص لسنوات، ثم يتحول لاحقًا إلى منافس يستخدم نفس المعرفة والعلاقات والسوق… هنا لا يعود الأمر مجرد “حق شخصي”، بل يُطرح سؤال واضح عن الوفاء، والتعاقد الأخلاقي غير المكتوب بين الطرفين.
ليس المطلوب خنق الطموح، بل وضع حدود واضحة ومبكرة تضمن الشفافية وتمنع تضارب المصالح. والطموح الناضج لا يحتاج أن يبدأ بخسارة الثقة أو إشعال حرب خفية. لأنه في النهاية، إذا احترق الجسر خلفك، لن يكون من السهل العودة.
من رأيي أن ما يفعله الموظف في وقته الخاص هو أمر خاص به ما دام لا يفعل شيئًا مخالفًا للقانون، وليس لصاحب العمل أو المدير التدخل إلا في حالة ما إذا أثر ما يفعله على عمله بالشركة، حينها يحق له التكلم فيما يخصه فقط.
لكن أن يقوم صاحب العمل بتقويض مصلحة الموظف من أجل عمله ومصلحته الشخصية فهو أمر غير أخلاقي وغير مقبول _على الأقل بالنسبة لي _، كما أنه إذا تصرف هكذا فقد يخسر الموظف و يصبح لديه سمعة أو صيت سيء بأنه شخص أناني ومادي.
صحيح أن ما يفعله الموظف في وقته الخاص يُفترض أن يظل ضمن الحرية الشخصية، ما لم يتعارض مع أداء العمل أو يُسبب تضارب مصالح واضح. لكن في الواقع العملي، الخط الفاصل ليس دائمًا واضحًا.
فالمعضلة ليست في نية الموظف، بل في تأثير السلوك على بيئة العمل والثقة داخل الفريق. المشروع الجانبي أحيانًا يستنزف تركيز الموظف، أو يُربكه في ترتيب أولوياته، وقد يتسبب في فجوات في الأداء يصعب تفسيرها إلا بعد فوات الأوان.
اعتقد أنك إذا ساندته واظهرت دعما وتقديرا حقيقيا لرغبته في النمو والتطور، ثم بعدها صارحته بأنه يجب أن يحرص على أن مشروعه يجب ألا يتعارض مع أداؤه في الوظيفة الحالية، كما يمكنك سؤاله عن المشاكل التي يواجهها في الموازنة بين الوظيفة والمشروع وحاول أن تجد حلول معه، وأعتقد أن هذا سيجعله يقدر جهودك وإما يلتزم فعلا أو يترك الوظيفة ليركز على المشروع
تكمن حساسية الموقف في ضرورة الموازنة بين حق الموظف في التطور وحق المؤسسة في حماية مصالحها، خصوصًا مع ظهور علامات تراجع بسيط في التركيز أو تكرار للغياب. التعامل الأمثل مع هذا السيناريو يتطلب من المدير نهجًا يجمع بين الثقة والدعم المشروط والحزم الواعي. يمكن للمدير أن يعبر عن تفهمه لطموح الموظف ويقدم دعمًا معنويًا، مع وضع حدود واضحة وشروط تضمن عدم تأثر الأداء الوظيفي، مثل تحديد ساعات عمل مرنة أو التأكد من عدم وجود تضارب في المصالح. رسم الخط الفاصل بين الاحتراف والدوافع الشخصية هو مسؤولية مشتركة، لكن المدير يتحمل العبء الأكبر في إدارة التوقعات وتحديد العواقب إذا ما انكسر هذا الخط، بهدف الحفاظ على أداء الفريق وحماية مصالح المؤسسة مع عدم إعاقة الطموح المشروع للموظف.
الإشكال لا يكمن في طموح الموظف بحد ذاته، بل في مدى التزامه بالحفاظ على توازن عادل بين مسؤولياته الحالية ومساعيه الشخصية. هنا تبرز أهمية المهارة القيادية في صياغة اتفاق غير مكتوب أساسه الاحترام المتبادل والوضوح الكامل.
اعتقد لا توجد إدارة مثالية، لكن هناك دائمًا إدارة واعية تعرف متى تدعم، ومتى تُحذّر، ومتى تضع النقطة الأخيرة في السطر.
التعامل مع موظف طموح يتطلب توازنًا ذكيًا بين الدعم وضبط الأداء. أولاً، أُقدّر صراحته لأنها مؤشر نضج وثقة. لكن في الوقت نفسه، عليّ التأكد أن التزامه الحالي لا يتأثر. أفتح معه حوارًا مباشرًا، أعبّر فيه عن دعمي لطموحه، لكن أوضّح أن أي تراجع في الأداء غير مقبول. أضع معه اتفاقًا واضحًا: دعم معنوي مشروط بالحفاظ على الأداء والانضباط. إن نجح في الموازنة، نربح معًا. وإن فشل، أكون حينها قد أعطيته فرصته، ولكن من حقي حماية الفريق والعمل.
مبدأ الثقة المشروطة هو جوهر التعامل الذكي مع مثل هذه الحالات.
تقديرك لصراحته يعطي انطباع بأنك تدير بعقلية منفتحة لا تنفر من الطموح، ولكنك في الوقت نفسه لا تساوم على الجودة والانضباط. وهذه الرسالة – حين تُقال بشفافية وهدوء – تكون غالبا كافية ليُعيد الموظف ترتيب أولوياته دون الحاجة إلى صدام.
ليس المطلوب قتل الطموح، بل إدارة أثره. وهذا ما قمت به تمامًا في ردك: دعمه كإنسان، ومساءلته كموظف.