لم أكن أتوقع أن أعيش تجربة التعليم عن بُعد مرتين. الأولى في عام 2019 بسبب كورونا، والثانية اليوم بسبب الحرب والنزوح. ظاهريًا، التجربتان متشابهتان. عمليًا، هما نقيضان.
في تجربة كورونا، كنا نشتكي كثيرًا. كنا نرى التعليم عن بُعد عبئًا، وننتقده بوصفه تجربة ناقصة. لكن الحقيقة التي لم نكن نراها بوضوح آنذاك: كانت تلك التجربة مرفّهة.
نعم، مرفّهة.
كان الإنترنت مستقرًا، الكهرباء متوفرة إلى حدّ مقبول، والأدوات في متناول اليد. كانت هناك بيئة، حتى لو لم تكن مثالية، فهي على الأقل “صالحة للتعلم”. كنا داخل نظام يعمل، حتى وإن تعثّر أحيانًا.
أما في تجربة النزوح، فالصورة مختلفة جذريًا.
نحن لا نتعامل مع خلل في النظام، بل مع غيابه تقريبًا. الإنترنت متقطع، الكهرباء غير مضمونة، المكان غير مهيأ، والتركيز نفسه يصبح رفاهية. لم يعد التحدي في فهم الدرس، بل في القدرة على الوصول إليه أصلًا.
هنا يسقط الوهم.
الوهم الذي يقول إن التعليم مرتبط بالوسائل فقط. أن وجود منصة وجهاز وإنترنت كافٍ لصناعة التعلم. في هذه الظروف، يتبيّن أن الوسائل مجرد عامل مساعد، لا أساس.
ومع ذلك، ظهر مشهد لا يمكن تجاهله.
جدية غير متوقعة من الطلاب، وإصرار واضح من الأهالي. في ظروف تُعطيك ألف مبرر للانسحاب، كان هناك تمسّك بالتعلم. ليس بوصفه واجبًا مدرسيًا، بل كشيء يجب الحفاظ عليه حتى لا ينهار ما تبقى.
وهنا المفارقة الحقيقية:
عندما كانت الظروف مهيأة، تعاملنا مع التعليم كأمر عادي، بل كعبء أحيانًا. وعندما انهارت هذه الظروف، بدأنا ندرك قيمته.
بالنسبة لي، لم تكن المشكلة يومًا في غياب الأدوات فقط، رغم أهميتها، بل في الصراع مع التشتيت. أن تجلس أمام شاشة وتحاول التركيز، بينما الواقع من حولك غير مستقر، هو تحدٍ لا يُرى في أي تقييم تقليدي للتعليم.
ومع ذلك، تستمر.
ليس لأن الظروف مناسبة، بل لأن التوقف أصبح خسارة أكبر.
هذه التجربة لا تثبت نجاح التعليم عن بُعد، بل تكشف حدوده الحقيقية. وتكشف أيضًا شيئًا أهم: أن التعليم الحقيقي لا يُقاس بجودة المنصة، بل بقدرة الإنسان على التمسك به عندما تصبح كل الظروف ضده.
في النهاية، التعليم في زمن النزوح لم يكن تجربة ناجحة بالمعايير الأكاديمية الصارمة، لكنه كان اختبارًا صريحًا للإرادة.
وهذا النوع من الاختبارات… لا ينجح فيه الجميع.