موضوع آخر عن اللغات. كتبت سابقاً عن ما وجدته في لغات في شبه القارة الهندية مركزاً على المكتوبة بالعربية، و بعدها اقترحت إنشاء اللغة العربية المبسطة التي لم تجد سوى الاعتراض الشديد. هذه المرة عن اللغة الصينية، و أقصد الصينية المعيارية دون الخوض في تفاصيلها و تفرعاتها و الألسن المتحدثة بها Varieties.

لا يخفى على أحد التأثير الصيني الواضح في وقتنا الحالي، فكم المنتجات الصينية التي نستخدمها يومياً كثير جداً، و هذا يشمل الملابس و القرطاسية و الأدوات المنزلية و عامة الأغراض و حتى أكبرها من إلكترونيات و سيارات و قطع غيار و كل شيء تقريباً. كل هذا بفضل النمو الاقتصادي الصيني الضخم و الذي أثر علينا و على بقية العالم، و منه نجد من يتوقع أن يزداد التأثير حتى ... حتى سنضطر لتحدث اللغة الصينية في المستقبل. حقاً؟ لا نعلم كثيراً عن المستقبل، لذا لا يمكننا التنبؤ بما سيحصل.

بعيداً عن التكهنات بشأن اللغة الصينية، تعد اللغة الصينية من أصعب اللغات إن لم تكن هي الأصعب، فهي تختلف عن بقية اللغات المعروفة من ناحية الكتابة. بخلاف ما نعرفه من لغات، للغة الصينية محارف متعددة يبلغ عددها آلاف، و كل محرف يعبر عن شكل، و بالتالي كل محرف في اللغة الصينية يعبر عن كلمة. لهذا السبب، لا يمكن لفظ الكلمة (أو المحرف في حالة الصينية) دون معرفته مسبقاً. هذه المشكلة نتجت عن طبيعة نظام كتابة اللغة الصينية المسمى هان-زي Han-zi و هذه التسمية نسبة لعرقية هان التي تشكل غالبية الصينيين. أحياناً يطلق على هذه الكتابة الصينية التقليدية للتفريق بينها و بين الصينية المبسطة، التي هي تبسيط للكتابة المعتادة، و من خلال بحثي البسيط عنها وجدت معترضين لها لأنها بحسب زعمهم تفصلهم عن ماضي الصين، و برأيي أنها مجرد عبث فما هي إلا نفس الكتابة مع خطوط أقل من المعتاد.

من أولى المحاولات لكتابة اللغة الصينية بنظام كتابة مغاير كانت شيوئرجنگ Xiao'erjing، و هي كتابة اللغة الصينية بنظام الكتابة العربي و استخدمت في القرن الرابع عشر ميلادي. استخدم مسلمو الصين نظام الكتابة العربي من أجل الأغراض الدينية بالأساس و لكنهم أيضاً استخدموا نظام الكتابة العربي لكتابة اللغة الصينية. كانت هذه الكتابة إحدى الأمثلة على اللغات التي استخدمت نظام الكتابة العربي عندما كان للعربية قيمة مكانة في العالم.

في الوقت الحالي، يعد نظام الكتابة الروماني أو اللاتيني أكثر نظام كتابة مستخدم في العالم بغض النظر عن سبب استخدام نظام الكتابة في تلك اللغات، و تكتب فيه لغات كثيرة غير أوروبية و منها آسيوية، و نجد ذلك جلياً في الماليزية و الإندونيسية و كذلك اللغات المحلية في الفلبين حيث كانت هذه اللغات تكتب بأنظمة كتابة مختلفة. توجد عدة محاولات لكتابة الصينية بالنظام الروماني، لكن في النهاية غُلِّبَت واحدة منها هي بين-يين Pinyin و التي تعني لفظ الأصوات. كانت Pinyin هي الكتابة الرومانية الرسمية للغة الصينية و التي وضعها جو يوگوانگ الذي كلف بمهمة وضع معيار لكتابة اللغة الصينية بالحروف الرومانية.

كانت Pinyin وسيلة لتبسيط اللغة الصينية على متعلميها الجدد و لا زالت كذلك، فمن خلالها يعرف المتعلم للغة الصينية نطق الحروف في الكلمات مع وجود علامات فوق الحرف تدل على نغمة نطق الحرف. ليست Pinyin أكثر من ذلك، فهي ليست بديلاً عن نظام الكتابة Han-zi و الذي يضطر متعلم الصينية تعلمه في حال رغب في التعمق أكثر.

تكتب اللغة الكورية بنظام كتابة هانگول Hangul. كانت الكوريون يستخدمون الكتابة الصينية قبل هانگول. وضع نظام هانگول مجموعة من اللغويين الكوريين بناء على طلب ملك كوريا في ذلك الوقت من أجل القضاء على الأمية في شبه الجزيرة الكورية و نشر الثقافة بين عموم الشعب. يتميز نظام هانگول ببساطته و سهولته بسبب اعتماده على رسم مخرج الصوت. لم يكن نظام هانگول سبباً في سهولة تعلم الكورية على الكوريين وحدهم، بل جعل الكورية سهلة حتى على غير الكوريين. لا يحتاج متعلم الكورية لتعلم المقابل الصوتي لنظام كتابة اللغة الكورية بحروف رومانية كما يحتاج في الصينية و حتى اليابانية التي لا تزال تستخدم محارف صينية في كثير من الكلمات.

لم تكن توجد حاجة في اللغة الكورية لتبني نظام كتابة مستخدم في لغة أخرى، بل كان التغيير من الكوريين أنفسهم و بطريقتهم الخاصة، و هذا يجعل حالة اللغة الكورية مميزة. في حالة الصينية، كانت الظروف تحتم استخدام نظام كتابة موجود و منتشر حول العالم مع بعض التغييرات اللازمة، و هذا ما حصل مع Pinyin.

السؤال الأهم هنا: هل تحتاج اللغة الصينية لنظام كتابة مختلف؟ و إن كانت تحتاج، كيف سيكون شكل نظام الكتابة هذا؟ أرى أن التغيير مهم في حالة أراد الصينيون نشر لغتهم حول العالم، أما إن كانوا يريدون جعلها خاصة بهم و بمن يطلع على ثقافتهم، فهم أحرار في إبقاء لغتهم على حالها.