قرأت مجموعة مقالات اليوم من كتابة طه حسين بعنوان "التقليد والتجديد" من نشر مؤسسة هنداوي [1]، يمكنني القول أنها تتحدث عن التجديد والتقليد في الأدب العربي المصري أكثر من كونها تتحدث عن التجديد عمومًا، أطلق فيها بعض ملاحظاته حول سرعة قراءة الشباب للكتب وعدم تذوقهم لمجتوياتها الحقيقية وتصفحهم السطحي لها دون الوصول لأعماقها وكونه السبب الأول والأهم لعدم قدرتنا على التجديد، ويُرجع ذلك إلى طبيعة العصر السريعة وبطء عملية التجديد عبر العصور، ولكنه يشير إلى سرعة التجديد في الشعر في القرنين الأول والثاني من ظهور الإسلام ليؤكد على أن التجديد يمكن أن يتحقق بسرعة رغم الفارق العظيم بين ما كان لديهم وما لدينا من وسائل وتكنولوجيا، وفي محاولة منه لحل هذه المعضلة يستعرض تاريخ الأدب وبالأخص الشعر المصري في القرنين 18 و19 و20 ميلاديًا حيث نهض الشعر المصري العربي لأول مرة في حياته العربية، مارً على الشعراء المقلدين منتهيًا بمجموعة من الشعراء الشباب -على أيامه- المجددين والمنتقدين ملمحًا لفشلهم جميعًا بسبب عدم إستيعابهم هم نفسهم للحضارة الحديثة وعدم تشرب الشعب بالحضارة الحديثة كذلك، ليؤدي إلى نتيجة مفادها أن أول الطريق إلى التجديد الذي هو جزء من النهضة هو التعامل مع الحضارة الحديثة -حسب تعبيره عن الثقافة الغربية العالمية- على أنها جزء منّا لا كحضارة غريبة ننتقي منها ما نشاء ونبتعد عما لا يعجبنا، وفي هذا يعود إلى أول ما قاله وهو ضرورة التخلص من القراءة السطحية لمؤلفات الغرب والشرق القديمة منها والحديثة والوصول إلى أعماق نفوس كُتابها لندرك ماهية التجديد وكيف كان وكيف يجب أن يكون، أو بالأصح كيف يمكن أن يكون.

بالتأكيد هذه الكلمات ذكرتني بموضوع سابق وضعته هنا، وبدا يتضح لي أكثر أن موضوع "التجديد" وكيفية الوصول إليه فكرة موجودة منذ أكثر من نصف قرن، ولكن مرت الأجيال ولم نجد حتى الآن اي من مظاهر هذا التجديد، فقط يلقي كل جيل وصاياه على الجيل الذي يليه دون أن ينفذ هو شيئًا، أكاد أجزم أن "طريقة التجديد" موجودة منذ ألف سنة ولكن أحدهم لم يتجرأ على أن يبدأ في توضيحها، فمثلًا يقول عميد الأدب أن القراءة السطحية هي السبب وأن هذه طبيعة العصر، إذن كيف من المفترض أن نتجنب القراءة السطحية؟ كيف من المفترض أن أتعمق في قراءة هذه المؤلفات إذا كانت طبيعة العصر تفرض علي السرعة وكمية مهولة من المؤلفات التي يمكنني قراءتها وليس لدي سوى 80 سنة لأعيشهم في أفضل الأحوال؟ ما نوع التعمق الذي يريده عميد الأدب؟ كيف نتعلم هذا التعمق بعد قضاء أغلب حياتنا كقارئين سطحيين؟ هل يود أن يقنعني أنه نفسه لم يكن لديه على أيامه هذا النوع من نظام التعليم المعتمد على السطحية؟ هل غير منه شيئًا؟ أم فضل أن يكرر ما قالته الأجيال السابقة عن التجديد وسره؟ تحدث -طه حسين- عن أهمية الطابعة ودورها في نشر المطبوعات القديمة القيمة والمؤلفات الغربية الحديثة ولكنه لم يتحدث عن التشتت الذي سببه هذا العدد من المطبوعات لانسان كان وصوله لهذه المؤلفات محدود وكان يعتمد في أغلب وقته على التأمل والإنجاز الشخصي مما جعل العالم العربي كله يتجمد عند مرحلة معينة من التقدم العلمي، لأن كل إنسان كان لا يأخذ بالحكمة القائلة "لا تُعد إختراع العجلة، إبدأ من حيث أنتهى الآخرون" لأنه لم يكن بإمكانه البدء من حيث أنتهى الآخرون! إختراع الطابعة جاء كصدمة حضارية لبلاد توقف فيها التجديد لما يقرب من 3 قرون، صدمة جعلت الإنسان المصري متحيرًا بين التجديد والتقليد لأنه لم يعتد سوى على التقليد، ولكي يجدد يجب أن يقاسي التجربة التي قاستها الأمم التي تفوقت علينا، ولكن طبيعته التقليدية كانت تمنعه من أن يجرب بل تجبره على تقليد هذه الأمم حتى لو عاش بين شعوبها!

اذن ما الحل؟ هل توجد طريقة لنغير عقليتنا من التقليد الأعمى إلى الفهم الصحيح ثم التقليد الصحيح المؤدي إلى التجديد؟ هل هنالك طريقة لأستطيع القراءة من أجل القراءة لا من أجل هدف آخر غير القراءة؟ هل بعد كل هذه السنوات من الإعتياد على الحضارة المادية يمكننا الإنتقال للحضارة الفكرية؟ هل يمكن أصلًا تحولنا لمنتجين بدلًا من كوننا مجرد مستهلكين؟

[1]http://www.hindawi.org/books/39506471/