تنويه: هذا الموضوع يهدف فقط لمناقشة فكرة معيّنة وليس للتشجيع على القمار، القمار عادة سيئة جداً ولها آثار مدمرة على المقامر ومن حوله بنواحي كثيرة.

كنتُ بصدد بكتابة مراجعة لرواية المقامر كافتتاحية لهذا الموضوع، لكن وجدتُ هاتين المراجعتين الممتازتين للرواية، مما سيوفّر عليّ بعض الجهد شاكراً ذلك:

https://io.hsoub.com/go/54053

https://io.hsoub.com/go/64424

 

من المعروف أن دوستويفسكي نفسه دخل عالم القمار و أفلس بسبب ذلك عدّة مرات، ومن المثير للسخرية أنه كتب رواية المقامر ليخرج من ديونه التي سببها لعب القمار، ويرى البعض أن روايته هذه ما هي إلّا إسقاط لتجاربه الشخصية، وأن شخصية المقامر المثقف فيها إنما هي تشير إلى دوستويفسكي نفسه حين لعب القمار أشهرًا عدة في ألمانيا، و في الرواية يظهر ولع الكاتب الشديد بلعبة الروليت و اختيار الروليت هنا ليس مصادفة، فالكاتب نفسه كان مولعاً باللعبة وهي اللعبة التي ألهمته و أفلسته.

لكن أود الحديث عن جانب متعلق بالكاتب بشكل أساسي لم يظهر بالرواية بشكل واضح، ففي الكثير من كتب دوستويفسكي لا تجد رسالة يشير إليها الكاتب بشكل واضح، و أحياناً تحوي كتبه أفكراً متباينة جداً تكاد لا تميّز أياها يؤيد الكاتب إن لم تقرأ سيرته الذاتية! أيضاً من المُلاحظ أن دوستويفسكي يركز دائماً على فكرة الظروف التي يُخلق بها الإنسان، فقليل أن تجد له بطلاً عاش ظروفاً هادئة: قاتل، أمير أبله مصاب بالصرع، مقامر، الخ. و لربما هذا يعود لأنه هو لم يعش طفولة هادءة بدوره، و قدرة الروس عموماً على جعلك تتعاطف مع الشخصيات التي يخلقونها فعلاً مذهلة.

بعدما أنهيتُ رواية المقامر لدوستويفسكي أعجبتني الرواية، لكن لم أكن أرى أنها ترقى لباقي تحفه واستغربت إعجاب الناس الشديد بها، إلى أن قرأتُ مرّة ما معناه أن دوستويفسكي كان يلعب الروليت فقط ليعيد عدالة الظروف البدائية التي افتقدها بحياته ولم يراها بحياة الكثيرين أيضاً. وبعد قراءة عدة روايات للكاتب و قراءة سيرة حياته، وملاحظة هوسه بخلق أبطال ليسوا كالأبطال العاديين، تستطيع فعلاً أن ترى هذه الفكرة بوضوح، رغم أنني أعدك أنك لو قرأت الرواية لن تجد ولا حتى جملة تفيد بهذا، لكن للحقيقة يوجد عدة إشارات تشير لذلك مثل نفسية البطل التي تشير لأنه لا يُقامر طمعاً بجني الثروات، بل حُبّاً بالقمار، ولربمّا تكون الروليت أفضل تمثيل موجود لمفهوم العدالة فهي لعبة بسيطة تعدل بين الجميع، فبينما يُخلق شخص لعائلة غنية وآخر لعائلة فقيرة أو حتى يتيماً، ففي الروليت تكون شروط البدء متساوية بين الغني و الفقير ولا يوجد أي شيء يجعل صاحب المال الأكبر يفوز، بل قد يخرج الفقير بأضعاف ثروة ذاك الغني، هنالك فقط استراتيجيات لتزيد من فرص ربحك، لكن حتى هذا لا يخلّ بعدالة الروليت لسبب جوهري ألا وهو أنك بالروليت أنت لا تلعب ضد اللاعبين بجوارك ولا يهمّك فوزهم أم خسارتهم، رهانك هو مع الكازينو فقط، حتى أنه يمكنك أن تراهن على نفس العدد أو المجموعة التي راهن عليها لاعب آخر ويفوز أو يخسر كلاكما ولا مشكلة بهذا، ومن هنا تكون الروليت تجسيد جميل للعدالة.

شرح بسيط عن الروليت:

رقع عجلة الروليت مرقمة من 1 إلى 36 تتناوب ألوانها بين الأحمر الأسود، وهناك رقعة خضراء تحمل الرقم صفر، يختار اللاعبون أن يضعوا قمارهم إمّا على رقم، نطاق يشمل عدة أرقام متتالية، أو إمّا وضع الرهان على واحد من اللونين الأحمر أو الأسود أو فردي وزوجي ولتحديد الرقم واللون الفائز يقوم موظف الكازينو بلف العجلة في اتجاه ولف الكرة في الاتجاه الآخر في مجال مائل حول نطاق العجلة، تفقد الكرة سرعتها بالتدريج وتقع على واحد من 37 رقعة

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%AA

https://suar.me/oLyNm

مرّة أثناء بحثي على اليوتيوب عن مقطع يتحدث عن سارتر وجدتُ هذا المقطع لعدنان إبراهيم، الذي يتحدث فيه عن نفس الفكرة، والذي أنصحك بمشاهدته قبل أن تكمل الموضوع:

https://www.youtube.com/watch?v=0kCgukit4_E

 

تكلم إبراهيم عن الموضوع بشكل رائع، لكنه مضطر لأن يجد رادعاً لهذه الفكرة كي لا يبدو كمن يؤيد القمار، فلجأ إلى حجج لا تعكر فعليّاً جماليّة الفكرة، فتكلم أولاً عن الفرق بالخبرة بين اللاعبين و ثانياً عن فرق مستوى الذكاء، ولربما نسي إبراهيم أو تناسى أن اللعبة موضع الحديث ليست البوكر أو البلاك جاك، فبتلك الألعاب يكون لهذين العاملين فعلاً دور كبير بتحديد الفائز، و حتى قد تجعل اللاعب ذو الأوراق الأضعف يفوز إن عرف كيف يلعب بها كخبير، بينما بالروليت فاللعبة ليست بين اللاعبين أصلاً، وذكاءك أو خبرتك باللعبة لن يؤثر على باقي اللاعبين، كل ما هنالك هو استراتيجيات بسيطة يمكنك حفظ إحداها واللعب دائماً على أساسها لتزيد أرباحك، كون اللعبة دائماً نفسها ولا تتغير كما في ألعاب الورق، فالمطلوب منّك اتباع استراتيجية بسيطة أو حتى عدم اتّباعها وترك الكرّة لتعطيك أو تسلبك دون النظر لكونك غني أم فقير، الأمر الذي لا نراه في الحياة عادةً.