أليس على غرار هذه المقولة التي درسنا إياها بعض أساتذة الرياضيات في مرحلة الثانوية، يمكن أن نحكم على الجاهل بجهله؟

ما الذي أفهمه من هذه المقولة وأحاول تطبيقه على نواح أخر من الحياة؟

-أسلوب التعبير هذا هو للدلالة على أن محاولة إيجاد ناتج هذه القسمة هو خطأ عظيم في الرياضيات لا يجب الوقوع فيه، فمن وقع فيه دل على جهل كبير منه في المبادئ الأساسية في هذا العلم.

-أمثلة من مجال دراستي في الجيولوجيا، في الطبيعة يستحيل أن يوجد في صخر ناري الأوليفين والكوارتز معاً، وهذه معلومة بديهية لدى الجيولوجيين، فعندما يقوم زميل في الدفعة في المخبر من السنة الثالثة بذكر مكونات الصخر ويذكر هذين الفلزين، فعندها يحكم دكتور المادة عليه إما بالغباء أو بأنه ينجح عن طريق الغش، وكذلك الأمر ، عندما أخطأ أحد الطلاب وذكر ما يراه لصخر ناري تحت المجهر بأنه رأى مستحاثة -فلك أن تتخيل أنه يوجد كائن يعيش في الصهارة البركانية قبل أن تتبرد وتتصلب-، وقد قال لنا دكتور أحد المواد بأنه لو وجد طالباً في السنة الأخيرة وليس يحفظ السلم الزمني الجيولوجي -بمثابة جدول الضرب للجيولوجي- فلو كان بإمكانه أن يرسبه في كل السنة وليس فقط في مادته لفعل.

فلماذا كل هذا التشديد والقسوة على مجرد إجابة واحدة، لقال طالب مثلاً : هو سؤال واحد، كم عليه من درجات؟لا أريدها.. وانتهت القصة لديه، ولكن الإجابات السابقة -إن كانت عن اقتناع- تفصح عن جهل الطالب وتأخره الكبير عما يجب أن يكون عليه من علم ليتخرج من هذا الفرع.

-القاعدة الرياضية هذه تنطبق على كثير من مواقف الحياة، غير أن أكثر من قابلتهم لا يرى ذلك ولا يقر بأحكامي على من أقول بجهله أو فسقه ...لأنه للأسف إما ليس أفضل حالاً منه، أو وربما ظناً منه فعلاً للخير ولكن بعمى، أو أنه وضع نفسه مكان ذلك الشخص أو يتبع الصحيح عن غير بصيرة- فهو يستنكر الحكم على شخص من موقف أو كلام له خاطئ بشكل يفصح عما هو عليه، وعن موقعه مما يتكلم فيه، وليس استنكاره إلا كمثال الطالب السابق الذي يستنكر استجهال مدرسه له في أخطائه سابقة الذكر.

-فعندما أقابل شخصاً يجادلني في موضوع مهما كان مجاله بغير علم ولا يتواضع لجهله ومعرفتي أكثر منه، أو أحداً يحاول الظهور بمظهر المحق في خصوماته دون ربع الجهد في محاولة أن يكون على حق، أوأرى تلبيساً للحقائق من أحدهم وهو يعلم الصواب، أو أسمع منه كلاماً سيئاً كان يضمره من وقت طويل ويدخره إلى اللحظة المناسبة التي يحتاج فيه أن يفجر في خصومته، وأقول له -أو عنه- أنه على خطر عظيم وما دار في فلك ذلك، فإنه يعيد ذكر ما قام به بالتبسيط الشديد وبرسم علامات الاستغراب وباستهجان للتشدد الذي بدر مني-فخير وسيلة للدفاع كما نعلم هي الهجوم، وصديقنا نقاشه مصارعة وليس طلباً للحق-

 وبإسقاط ذلك على المثال السابق فإنه لم يغير شيئاً من واقعه بأنه جاهل ومخطئ وأخطاؤه تدل على المستوى الذي هو فيه، فالعقل لا ينجح بالغش كما أيضاً الآخرة. وخسارة كبيرة إن كان لا يستحق النجاح في الآخرة ((يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم))، فإن الدنيا وضعفها لا تستحق تلك الخسارة فكيف بما هو أتفه من الدنيا.

وبرغم وضوح ما يجري، أسرد للمجادل بعض الشواهد التي تدل على سوء ما يحاول أن يستصغره كأن نجاحه في ذلك سيغير من الحقيقة شيئاً فأقول له مثلاً (إن المرء ليتكلم الكلمة لا يلقي لها بالاً من سخط الله يهوي بها في جهنم سبعين خريفا)، (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) "الإصرار على الذنب الصغير يجعله كبيراً" ...فالنتيجة غالباً، إما يحاول أن يتجاهل ما أقوله ويردد ما يدوره في عقله، أو يصمت ليس صمت من أذعن للحق بل صمت جاهل مهزوم لم يبق له إلا الصراع بالأيدي، وفي نفسه حسرة أن يغلبني في الجدال، ويضمر لي الرغبة في الانتقام بالتربص لأي خطأ مني.

وهذا كله بالمقارنة مع ما يجب أن يكون عليه الإنسان العاقل الراشد على الأقل، والمسلم والمؤمن على الأكثر، إنما يدل على ضلال ذلك الشخص واستحقاقه للرسوب، سواء من مخالفة كلامه للمنطق وتناقضه، أو من ناحية بونه الشاسع عن حال المؤمن الذي لا يرضى أن يمس حتى النملة بضر، ولو علم من نفسه خطأ لأصلحه ((...ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)) والذي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه...،رسوباً في الحياة لو أنه يتعامل مع كل المواضيع بنفس العقلية -الإصرار على خطأ عن علم خاصة إن كان في حق الناس-، رسوباً بين الناس لو كان الناس يرون بقلوبهم، رسوباً في الآخرة لو مات على تلك الحال ولم تتداركه رحمة عظيمة من الله عز وجل.

ولكن هل غدا الصح بين الخطأ خطأ، والعاقل بين المجانين مجنون، أم لا يزال بين الناس من يرى قسمة عدد على صفر كفر؟؟!