رابط الفعالية: https://www.facebook.com/events/362773723917005

ثلاثة عشر قرنا قضاها المسلمون في شتى بقاع الأرض تحت راية دولة إسلامية، قرابة نصف مليون ليلة باتوها في كنف رسول الله أو أحد خلفائه لم تخب فيها شمس الخلافة إلا عامين. حتى لما نُكست راية العباسيين على أيدي جحافل المغول لم يلبث شاب من خوارزم أن وحد المسلمين بعد فرقة وانتصر بهم بعد هزيمة نكراء ضاعت على أثرها مدينة المنصور التي شادها لتكون عاصمة للإسلام خمسمائة عاما كاملة.

لكن انتصار عين جالوت لم يكن الأول، تماما كما هو ليس بالأخير، فمنذ بدأ الصديق فتوحاته بذات السلاسل وبصرى وأجنادين، ومنذ حمل شرحبيل بن حسنة وأبو عبيدة بن الجراح ومن بعدهم خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص الإسلام ورايته إلى أرض الشام والعراق فكان أن محوا أسماء أعتى امبراطوريات الأرض حينها – الفرس والروم – من الخريطة واستبدلوا بهما قصص بطولية في القادسية واليرموك، منذ هذا الوقت لم يتوقف قطار الإسلام وانطلق بسرعة خرافية يجوب العالم شرقا وغربا، أبطأ قليلا في محطة الفتنة واستبدل بقاطرته الراشدة أخرى أموية كان محركها - بالرغم مما أخذ عليه - أكثر سرعة وأكبر قدرة على التحمل فكان ذلك خير معينا للإسلام على الوصول إلى أراض لم يطأها من قبل، حمله قطار الأمويين شرقا حتى إسلام أباد وغربا حتى لشبونة. ولما وهن الأمويين ودب الضعف في أوصالهم، حمل العباسيون اللواء فكان لكلمة "لا إله إلا الله" أن ترفرف خمسة قرون أخرى مع راية العباسيين. أضاف لها بيبرس ومن جاء بعده من سلاطين المماليك ثلاثمائة عام رفعت فيهم مساجد القاهرة أذان بغداد. ثم جاء بنو عثمان ليوحدوا المسلمين مرة أخرى تحت راية أشد قوة وأقوى شكيمة، حملوا الإسلام إلى أوروبا وبلغوا به آفاقا لم يبلغها من قبل، بنوا مسجد في المجر وجسرا في البوسنة وشادوا قصورا على ضفاف البسفور حكم منها القانوني - ونسله من بعده – العالم.

ثم انتهى كل شيء وسقطت الراية، ضاعت بلجراد وسراييفو، مرضت بغداد ودمشق ومن قبلهما القاهرة، سُلمت المدينة المنورة إلى العرب وحلم خلافة جديدة يراودهم فما صاروا خلفاء ولا دام حكمهم ولا ظلت الراية ترفرف في أراضيهم. هكذا انفرط العقد وصارت الدولة دولا ثم دويلات، عادت صور الامبراطور قسطنطين تزين مسجد آيا صوفيا الذي لم يعد مسجدا، وسُبيت فلسطين ودُنس أقصاها. تفرق المسلمون وتضاربت مصالحهم - كما توهموا - لكن حلم العودة والوحدة لم يفارق مخيلة المخلصين منهم. مرت السنون وصار الحلم بعيدا، صار عسيرا المنال، بل صارت الذكرى نفسها ترفا يصعب الحفاظ عليه. سقطت بغداد ودمشق ومات الجامع الأموي، فقد السودان جنوبه وباتت اليمن لا تعلم هل تواسي الصومال أم تواسي نفسها.

والآن، في الثالث من مارس من كل عام وفي ذكرى سقوط الخلافة، يبرز السؤال، هل عودة الخلافة هي الحل؟ هل كان الأمويون قاتلو الحسين أو العباسيون الضعفاء الذين تفتت الدولة في عهدهم إلى ألف دولة أو العثمانيون المحتلون – كما يحلو للبعض أن يقول – خلافة مجيدة؟ هل كانوا ملائكة؟ هل لم تلطخ الدماء أحيانا والخيانة والضعف أحيانا أخرى صفحات تاريخهم؟ هل ينبغي لنا الحزن على سقوط الخلافة بل والرغبة في إعادتها؟ حتى ننجح في الإجابة عللى هذا السؤال يجب أن نتجاهل كل التنظيرات والمصطلحات المعقدة، أن ننسى كل الدراسات والتفسيرات التاريخية ونتذكر فقط أن هذه الخلافة استطاعت أن تنشر الإسلام وتحافظ عليه ثلاثة عشر قرنا، استطاعت أن تتسرب إلى قلوب الناس فتخرج لنا مليار مسلما يقطنوا عالم السبع مليارات انسان، تماما كما تسربت إلى العقول فأنتجت لهذا العالم حضارة أضاءت لهذه المليارات حياتهم.

من السهل علينا دوما أن نرى صفحات مهترئة كتبها المسلمون بحروف من ذهب من مئات السنين فنتغاضى عنها رغم عظمة ما فيها ونسرع بقراءة صفحات أحدث عهدا وأفضل طباعة لكنها تنبض بالكراهية والزيف، بل ربما حتى هي صادقة لكنها تتعامل مع الجوانب الباهتة فقط في حياة الدول، وهل هناك دولة أو امبراطورية في مكان أو زمان ما كان تاريخها ناصع البياض؟!! لقد حملت الخلافة الإسلامية ودولها المختلفة مسئولية هداية العباد إلى دين الله رب العباد وحاولت جاهدة أن ترقى بالحضارة الانسانية، لكن الأكثر أهمية هو التوحد والاجتماع تحت راية واحدة .. لذلك وحين فقدنا الخلافة ومعها فقدنا حضارتنا تجاهل المسلمون هذه الخسارة بدعوى سهولة بناء حضارة جديدة تحت رايات عديدة كما فعلت أوروبا .. لكن الجميع تناسوا أننا يوم بنينا حضارتنا كنا ‫#‏أمة_واحدة‬ وحين خسرنا هذه الحضارة لم تكن هذه أفدح خسارتنا وإنما كانت الخسارة الكبرى هي خسارة هذه الأمة ..

رابط الفعالية: https://www.facebook.com/events/362773723917005