القارب في الصحراء: كيف نحفر قبورنا بأدوات غيرنا؟

التفكير خارج الصندوق ليس رفاهية فكرية. إنه حرب. حرب ستخوضها ضد الجميع. ضد من سيحاربونك، وضد من سيشكون في عقلك، وضد من سيصفونك بالجنون. الثمن باهظ، لكن ثمن البقاء في الصندوق أباهظ.

اسمع هذه القصة:

دخلت سباقاً. أنت ومجموعة من المتسابقين. قيل لك فقط: من النقطة "أ" إلى النقطة "ب". لا شيء غير ذلك.

تنظر حولك. الجميع يصنع قوارب. قوارب سريعة، شراعية، بمحركات. تضغط على نفسك: "يجب أن أصنع قاربي قبل أن يسبقوني". تنجح. تصنع قارباً يفوق قواربهم جودة وسرعة. تشعر بالنشوة. أنت جاهز.

يبدأ السباق.

هم ينطلقون في نهر عظيم، ينسابون بسلاسة، وقاربك... قاربك يغرق في الرمل.

نعم. الرمل. لأن طريقك لم يكن نهراً. كان صحراء. أنت لم تخسر لأنك لم تتقن صنع القارب، أنت خسرت لأنك لم تسأل السؤال الأول: أين طريقي أنا؟

هذه هي مأساتنا.

هكذا نعيش. نراقب الغرب. ندرس نجاحاته. نقلد أدواته. من كرة القدم التي صارت ديناً جماهيرياً، إلى أنظمتنا الاقتصادية والتعليمية التي نستوردها جاهزة. نظن أننا إن امتلكنا قاربهم، سنصل إلى وجهتهم، بل ونتجاوزهم. ونحن لا نرى أننا نجر قارباً في صحراء.

الغرب له صحراؤه وله أنهاره. وأنت لك صحراؤك وأنهارك.

الرجل الغربي يشرب الحليب بعد قراءة كتاب؟ جميل. لكنه يملك ماءً يكفيه. أما أنت، فعطشان، وماؤك شحيح. فإن استوردت الحليب لأنه "مفيد ومتحضر"، وتركت توفير الماء، فأنت لم تخطئ في الحساب فقط. أنت انتحرت.

نحن لا نخسر لأننا أقل ذكاءً. ولا لأننا كسالى. ولا لأننا لا نعمل. نحن نخسر لأننا ندخل كل سباق بقارب، بينما طريقنا صحراء. لأننا نرفض أن نعترف أن احتياجاتنا مختلفة، ونقائصنا مختلفة، وجغرافيتنا مختلفة.

الخطوة الأولى ليست تقليد القوي. الخطوة الأولى هي أن تكتشف من أنت. أن تعرف صحراءك. حينها فقط ستبني مركبة تصلح لطريقك. وحينها فقط، سيكون لك أمل حقيقي في الفوز. لا بقارب في نهر غيرك، بل بعربة في صحرائك أنت.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طرح يثير الاعجاب ، الانسان يقرر مساره وفق وجوده وفكر نشأته ونحن نختلف كحقيقة عن الغرب كفكر وحضارة وذكاء لكن لايرى الكثير هذا وخاصة الشباب فيعتبرون الحضارة في تقليد الغرب ومسخ الهوية بينمنا إدراك الوضع والضروف و.... يحدد المسار والطريق الصحيح مهما كانت بيئته.

أعتقد أننا مدركون لذلك فعلًا الشباب يعرف أنه غير مناسب لكن ما زالت لدينا عقدة الخواجة تسيطر علينا المشكلة في الضغط الاجتماعي والصورة الذهنية عن النجاح التي تجعلنا نختار ما لا يناسبنا فقط لأنه أكثر قبول أو قيمة في نظر الآخرين

صحيح، ولكن هناك شئ لا ينطبق علينا في القصة ، و هو أن كلنا هنا طريقنا واحد . نحن لا نقلد الغرب و لا حاجة ، العالم كله يتأثر ببعضه ، شاهدت فيديو قريباً لأمريكان يقلدون إحتفال إمام عاشور ( لاعب كرة مصري ) . أما من حيث الحاجات الجد ، فكما قلت كلنا طريقنا واحد ، الغرب يعمل بأفكار انتجناها كعلم الاجتماع و البصريات و الخوارزميات و الجبر و نحن نعمل بأفكار أنتجها الغرب كالدساتير و القوانين و التقدم التكنولوجي

صحيح فمن هنا تأتي أهمية أن نعرف ماذا نريد قبل أن ننظر لتجارب الآخرين ليس كل شخص حقق نجاح في مجال معين يعني أن طريقه سيكون مناسب لنا لأن لكل شخص هدف وظروف وقدرات مختلفة. فقد يقلد الإنسان تجربة ناجحة لكنه في الأساس يسعى لشيء آخر وهنا يصبح التقليد عائق بدل أن يكون وسيلة للتقدم

النص يعرف مفهوم الثقافة ببصمة انشائية خاصة