أحنُّ إلى "جرائم" النحو والإملاء وأبغض اصطناعي الذكاء

أحنُّ إلى "جرائم" النحو والإملاء وأبغض اصطناعي الذكاء

كتب: محمد عطاالله التميمي 

في فترة ما قبل التواصل الالكتروني عندما كان للتواصل الإنساني زمنٌ تُفهم فيه المشاعر قبل الكلمات، كنا نتواصل وجاهيًا، نتحدث بلغة العيون، بنبرة الصوت، بالإيماءات وحركات اليدين، وببعض من الصمت استفهامًا أو استنكارًا.

ثم جاءت مواقع التواصل، فصار الحديث بيننا مفردات نكتبها فنكسر الفتحة أحيانًا أو نضمها، أو نرفع المفعول وننصب الفاعل، ونرتكب جرائم إملائية باغتيال الهمزات، واختطاف الألف المقصورة وتنصيب الياء مكانها، والعبث ما بين التاء المربوطة والمفتوحة، وذلك راجع إلى أن كثيرًا منا يستهوون الكتابة بمثل ما ينطقون مثل أن نستبدل لماذا بليش، وهذا بهاذ، وليس بمِش وغيرها الكثير. 

لطالما تحسرنا على خسارتنا لواقع التواصل الوجاهي لصالح ما هو إلكتروني، كونه يقلص مساحة الأنسنة في تفاعلاتنا الاجتماعية وتضامننا الحقيقي، وحسرةً على لغتنا الجميلة مما أسيء إليها، ولكن حسرتنا اليوم أشد وأعظم ونحن في مُستهل عصر الذكاء الاصطناعي. شخصيًا، أشتاق لتلك الأخطاء الإملائية والنحوية، أشتاق لمفردات البساطة الإنسانية التي سلبتها ChatGPT وأخواتها، تلك التي تبني نصوصًا منمقة بلغة مُحكمة وتسلسل منطقي لكنها لا علاقة لها بالإنسان، ذلك الإنسان الذي أراد أن يصبح رهينة لتطبيقات بلا مشاعر حقيقية ولا تعبر عما بداخله.

تصدمني تلك التعليقات المولدة بالذكاء الاصطناعي، تلك المنشورات الطويلة بجمل مجزأة، والمقالات الأنيقة بعنوانها وشكلها وفخامة مفرداتها، ولو تعمقنا أكثر لوجدنا كبار الأكاديميين يبكون في الزاوية على حال آل إليه آلاف الطلبة والباحثين ليس في بلادنا وحسب بل وفي مختلف أنحاء العالم. 

هذا لا يعني أنني أحرض على القطيعة بيننا وبين الحداثة، ولكنني أدعو لأن نُحسن استغلالها وتوظيفها في إدارة التفكير وتنظيم المعطيات كوسيلة لتحقيق أفضل النتائج، لا تنسيق النصوص الفارغة والمفردات الرتيبة ببضع فقرات لم يساهم فيها الإنسان سوى بعبارة واحدة، أو سؤال، أو في بعض الأحيان تأطير مزور لتفكير الآلة وتوجيهها نحو إشباع رغبات مؤقتة وساذجة.

في الختام، أدعوك عزيزي القارئ أن تنسخ هذا المقال وتضعه على chat gpt أو gemini أو واحدة من مواقع AI Detection، فإذا كانت نسبة توليده بالذكاء الاصطناعي مرتفعة فلا تتردد بحمله والقائه بسلة المهملات، ولا تغفل افراغ محتوياتها كي لا يتسنى العثور عليه مرةً أخرى، وشكراً.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أفهم الحنين الذي تتحدث عنه .. وربما كثيرون يشعرون بشيء مشابه عندما يرون كيف أصبحت النصوص اليوم مصقولة أكثر مما ينبغي. لكن في رأيي .. جوهر المسألة ليس في الأداة التي كُتب بها النص .. بل في الفكرة التي يحملها.

ففي النهاية .. ما الذي يهم القارئ حقًا؟

هل كُتبت الكلمات بخط يد إنسان أو بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟ أم أن الذي يهم هو المعنى الذي يصل إليه؟

يمكن لأي شخص اليوم أن يولّد آلاف الصفحات باستخدام الذكاء الاصطناعي .. وربما آلاف الكتب أيضًا. لكن إن لم يكن وراء تلك الكلمات فكر حقيقي أو تجربة إنسانية صادقة .. فلن يصمد منها شيء طويلًا .. ولن يجد من يقرأه بجدية. الكلمات قد تُصنع بسهولة .. أما الأفكار فلا تزال تولد في عقل الإنسان وخبرته.

لذلك أظن أن القضية ليست في أن نرفض الذكاء الاصطناعي أو نخاف منه .. بل في أن نستخدمه كأداة .. مثلما استخدم الإنسان من قبل القلم ثم الآلة الكاتبة ثم الحاسوب. القيمة دائمًا كانت وستبقى في الفكرة التي نريد قولها .. لا في الوسيلة التي ساعدتنا على صياغتها.

بعبارة أخرى:

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدنا على كتابة النص .. لكنه لا يستطيع أن يمنح النص روحًا إن لم تكن موجودة أصلًا في فكر صاحبه.

هل كُتبت الكلمات بخط يد إنسان أو بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟ أم أن الذي يهم هو المعنى الذي يصل إليه؟

الأسلوب عامل مؤثر جدا، وليس الفكرة فقط، يعني قد أعطي الفكرة لإنسان ولذكاء اصطناعي وتجد الذكاء الاصطناعي أعلى من حيث جودة الفكرة لكن ستجد بنفس الوقت أنه فاقد للروح الإنسانية والطابع البشري السلس والتلقائي، كلام منمق بزيادة، وهذا ما يفقده التفاعل البشري الذي يميز المحتوى البشري التفاعلي المبني على تجارب حقيقية والذي يفهم نقطة ألم الناس وما يريدون قرائته عكس المكتوب بناء على البيانات لا أكثر.

أعتقد المهم في الاسلوب ان يكون بسيط لكن تظل الفكرة هي الاهم. بالعكس مع الممارسة وخبرتك فى استخدام الذكاء الاصطناعي ستصل لمرحلة الطابع البشري السلس والتلقائي وتظل جذابة للقارئ

إن لم يكن هناك شخص ذكي وراء الأداة فلن يفرق الفكرة هنا وستخرج بأسوء صورة

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع فكاهة جيدة وسط كلامه، أو يكتب بأسلوب حماسي أو غاضب فعلاً، فهو يستخدم مفردات جيدة ومعاني جيدة، لكن كل ذلك في الظاهر لا يوجد وراء النص شيء.

هذا متوقع جداً، خصوصاً أن الذكاء الاصطناعي يتم برمجته بواسطة عقول بشرية فهذا ليس مستبعد ان يتم التطوير وتحسين الأسلوب حتى لا يظهر بحالة الجمود التي قد يكتشفها البعض.

أرى الكثير يركز على خطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي على مهارات الإنسان لكن أعتقد حتى لو ولد الذكاء الاصطناعي نصوص ممتازة هذا لا يعني أننا نفقد قدرتنا على التفكير النقدي أو صياغة الأفكار بشكل مستقل. بالعكس يمكننا استغلال هذه النصوص كنقطة انطلاق للتطوير لزيادة إبداعنا وتحليل المعلومات بشكل أسرع واكبر. العقل البشري هو من يقرر ويبتكر ويضيف قيمة حقيقية للنص والفكرة.

للذكاء الاصطناعي اهميته الكبيرة التي لا يمكن انكارها وهوجزء من العصر الحالي ومن الذكي أن نستخدمه ونقوم بتوظيف للاستفادة منه ولكن بوعي ومعرفة، لذلك فالقضية ليست صراعًا بين الإنسان والتقنية، بل هي مسألة وعي في الاستخدام: أن تبقى الفكرة والتجربة إنسانية حقيقية، وأن تُستخدم الأدوات الحديثة لدعمها لا لاستبدالها. عندما يحدث هذا التوازن، تظل الإنسانية حاضرة حتي مع استخدام التقنيات الحديثة