عقيدة "النكاية": كيف يُساء فهم النصوص لتصفية الحسابات

بينما تسير في الصباح الباكر، تلقى غادر في طريقك، فيقول لك: "يا عزيزي، لقد أخبرتُ فاهم بالسر الذي بيني وبينك!"

فتسأله مدهوشًا: "لماذا؟"

فيُجيبك: "لقد سألني، وما كان مني إلا أن أكون صدوقا.

وأنت تعرف أهمية الصدق! ألم تنصحني أول أمس عن الصدق وقيمته، وأهميته؟ هذا هو الصدق الذي تدعو إليه!"

فتقول محاولًا التوضيح: "يا عزيزي..."

فيقاطعك بحدة: "لا يا عزيزي، ولا يا صديقي! هذا هو الصدق الذي تنصحنا به!"

في هذا الموقف تظهر إحدى الوسائل التي يُعاقَب بها أهل المبادئ، ولكن عبر تطبيقٍ مُشوَّهٍ للقيمة؛ وهي وسيلة تهدف في جوهرها إلى اغتيال القيم دون تكبد عناء البحث والتعلم الحقيقيَّيْن.

وعندما تنصح بالعدل أو التسامح، تُفاجأ بمن يتربص بك ليحيل فضيلة الإنصاف أو الرحمه والتآلف إلى نكايةٍ شخصية، فيُسلط عليك جفاف النصوص وقسوة التأويل، وكأنما يُراد للمبدأ الذي ناديت به أن يتحول إلى قيدٍ يُكبل روحك بدلاً من أن يكون نوراً يُضيء دربك ودروب الآخرين من حولك.

وربما تحدثت عن أهمية توسعة الطرقات والممرات، فيبشرك أحدهم أن رأيك يلقى استحسان الجميع وأنه سيتم هدم جدار بيتك لتوسعة الطريق وسوف تترك كل الطرق المؤدية إليه ومن حوله ضيقة، ثم يُقال لك: "ألم تكن أنت الداعي لسعة الطرقات؟!"

متجاهلا بإن العدل روحٌ تسري في جسد المجتمع لتمنح كل فرد فيه معنى الحياة، وليس قوالب صمَّاء أو نصوصاً جافة تُصبُّ على المرء كأنما هو ماكينة لهضم القوانين.

إن هذا الأسلوب قد يكون أحد أشهر الأساليب الذي يعيق النصح وتقديم المشورة في الوقت المناسب؛ عندما يُرد الرأي والنصيحة أو المشورة بصورة قاسية على حياة قائلها بشكلها المشوه المبتور، وتُتخذ مبادئه حُجّةً ضده.

انك أيها القارئ، ورائد الكتابة والنص ستجد أن نصك الذي يفترض أن تحيا به القلوب، يزعج كثير ولذلك يسعون إلى إسكاته بطرق شتى، وأخطرها "تشويه الفكرة" ثم بعد تشويهها يتم الصاقها بصاحبها.

تخيل معي امرأة رأت استحسان تخفيض المهور تيسيرًا للشباب، فجاءتها جارتها قائلة بسخرية: "أريدكِ زوجة لأخي.. سنزفكِ إليه بلا مهر ولا حليّ ولا تكاليف!" إنها لا تريد التيسير، بل تريد إهانتها وإسكاتها، عبر تقديم صورة مشوهة تتعدى الأخلاق وتغتال الكرامة والمشاعر، متجاوزةً حدود المنطق.

وحينها، يربط المشاهدُ بين تلك الإهانات وثقافة تخفيض المهور، وأنها ثقافة مهينة غير مناسبه، وللأسف...، على غير حقيقتها التي توافق قول الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم: .

أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً.

وهذا الأمر لا يقتصر على نصائح البشر، بل يمتد إلى النصوص الدينية؛ حيث يفسرها من غلبت شهواتهم على أخلاقهم تفسيرًا مجردًا من سياقاتها الأخلاقية والفكرية الجميلة، ليُثبتوا للمتلقي أن هناك خللًا في النص، والخلل في الحقيقة هو في نفوسهم.

إن خلاصة المشكلة تكمن في غياب الفهم الكلي، والعمل الذي يضع في اعتباره توازن المصالح الخاصة والعامة النفسية والفكرية والجسدية بعيدًا عن النزوات الفردية أو "الاجتزاء الكيدي" للنصوص والآراء؛ فالمبادئ وُجدت لتبني الإنسان، لا لتُستخدم سياطًا لجلده، أو إهانته.

"لا ضرر ولا ضرار".

لإثراء الفكرة، اليك عزيزي القارئ:

  • هل مررت بلحظةٍ استُخدمت فيها نصيحة قدّمتها ضدك، أو شُوّهت فيها فكرة آمنت بها حتى أصبحت حجةً عليك؟
  • وما هي طبيعة تعاملك مع مثل هذه المواقف؟
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

يعني هو فهم أهمية الصدق ولم يفهم أهمية الأمانة؟!

حدث معي هذا من قبل، كنت أتحدث مع أحدهم بخصوص شيء في الدين وسمعني طرف آخر، ثم بعدها قيل لي أنتِ تنصحين وأنتِ تفعلين أو تقولين كذا وكذا! وكأنه مطالب مني إما أن أكون ملكًا أو شيطانًا لا بشرًا! أو حتى لا أنصح أحدًا ولا أشارك معه معلومة قد تفيده حتى ولم لم تفدني أنا.

هؤلاء الأشخاص يتصيدون ويتربصون بالشخص في العادة، ويتجاهلون المعنى الكلي ويريدون تطبيقه عليك فقط وأنت وحدك، بغض النظر عن ظروف كل فرد ولا حتى السياق.

Design_Writer أضف ردا

نعم، فحين يُدرك المستغل احترامك للقيم، يحوّلها إلى سلاح ضدك؛ ليُحاصرك بالخجل ويمنعك من المطالبة بحقك أو الدفاع عن وجهة نظرك.

لكن الأخلاق والصدق مع النفس مسيرة تتطلب جَلَداً، ولهذا جاء التوجيه الرباني بالربط بين المبدأ والتحمّل في قوله تعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ)؛ فالصبر هنا هو الحصن الذي يحمي قيمك من تشويه المستغلين.

أعجبني ردك..

الحقيقة المجردة من الرحمة هي أبشع أنواع الكذب!

كما قالت سهام:

ثم بعدها قيل لي أنتِ تنصحين وأنتِ تفعلين أو تقولين كذا وكذا! وكأنه مطالب مني إما أن أكون ملكًا أو شيطانًا لا بشرًا

يطلبون من الناصح أن يكون ملاكا ليثبتوا بشريته، ثم يستخدمون بشريته لإسقاط نصيحته. هذا إرهاب فكري يمنع الناس من نشر الخير خشية الملاحقة.. ولا يصبر عليه إلا من فهم معنى الآية وعمل بها.

ولهذا جاء التوجيه الرباني بالربط بين المبدأ والتحمّل في قوله تعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ)

المشكلة عندما ترى من يقرأ مثلاً في أمور الدين ومثقف فيها لكن يقصر في الفرائض رغم علمه بكل مايخصها وحكمها، ثم تجده ينبه من حوله دائماً ويسألهم إذا صلوا أم لا، أو يناقشهم بما يعرفه من علوم الدين في حين أن منها ما لا يطبقه، وقد تتعجب اصلا أنه يعرف هذه الأمور.

هذا النموذج قد يجعل من أمامه إن لم يهاجموه كما الحال في المساهمة، يستغربون حاله ولا يصغون له، أي أين أنت من كل علومك تلك.

يبدو أن هذا الأمر أيضاً له حدود حتى لا نرد نصيحة كل من لا يعمل بنصيحته، أو نقيم الوضع بصورته الكلية للشخص شاملة محاسنه وجوانب تقصيره أيضاً.

المؤسف أن الشخص أصبح يجهز ردوداً قبل نصح أحدهم في أمور هو مقصر فيها.

Design_Writer أضف ردا

ربما لا اجد لأكتب إجابة كافية لذلك نسخت بعض النصوص عن نفس الفكرة الذي قدمتيها، من أحد المواقع المهتم بجانب تفسيرات نصوص الدين.

مع خالص الشكر والتقدير

السؤال

هل يصح أنني إذا علمت علما ولم أعمل به أن أنصح به غيري، ويندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم: من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة؟.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فيصح.. ويجوز لك أن تعلمي غيرك مما تعلمين من العلوم النافعة ولو لم تعملي بها، فتعليم الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم من النصيحة المطلوبة من المسلم لكل مسلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. رواه مسلم.

فمن النصيحة لعامة المسلمين تعليمهم أمور دينهم ودنياهم.. ولو لم يعمل الشخص بذلك، لأن عدم عمل الشخص بما يعلم لا يسقط عنه نصح غيره، فليس من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير أن يكون الشخص عاملا بما يعلم ممتثلا للأوامر ومنتهيا عن النواهي، قال مالك في الموطأ: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر ـ قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء.

فالإنسان مطالب بأمرين: الأمر بالمعروف وإتيانه ـ العمل بما يعلم وتعليم غيره ـ فعدم العمل لا يسقط تعليم الغير وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ـ كما ذكرنا ـ لكن من يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه جاء فيه الوعيد الشديد ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان: ما شأنك؟! أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه.

وإذا كان العلم من علوم الشرع فيجب عليك تعليم من تعين عليك تعليمه فرض عينه وإجابة من سألك، للحديث الذي أشرت إليه ولفظه ـ كما في سنن ابن ماجه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ. صححه الألباني.

"والخلل في الحقيقة هو في نفوسهم."

لا أرى في ذلك الأمر إلا أنه خلل في نفسه إما بمحاولة تشويه القيمة نفسها لانحراف نفسه (عن القيام بها أو رغبته في العيش بلا قيم "قيود") أو كره للشخص الذي ينصح بالقيمة بحد ذاته.

والتشويه المقصود أو غير المقصود لأي قيمة يُحولها تلقائيا إلى رزيلة، فالاول خرج من دائرة الصدق إلى خيانة الأمانة والثانية خرجت من التيسير إلى بخس الحقوق.

لكن يمكننا التحكم في رد فعلنا. التعامل بحكمة وعدم الدخول في جدالات عقيمة ونحفاظ على مبادئنا من غير ما نجعل حقدهم يؤثر على قراراتنا. بالنسبة لي طبعاً مررت بنفس الموقف كنت أساعد زميلة في الدراسة بشرح طريقة لتنظيم الملاحظات والتحضير للامتحانات لكنها أساءت فهم نصيحتي أمام باقي الزملاء وقالت "أنتى شايفه نفسك فاهم كل حاجة" غالباً أتجنب الجدال لأنه هيصعد الامور فاتركهم يفعلوا ما يشائون وأريح عقلي😊

اتفهم موقفك، عندما نباشر مساعدة الآخرين عن حب، فيكافئونا بإهانة علنية.

تبقى في القلب طويلاً ، والسلام على قلبك.

ان تستخدم الفكرة ضدك طبيعية فالناس مدققة فيمن ينصح اكثر من النصيحة احيانا , فهم يحاولون دوما اظهار الخطأ في المنصح لكي يبدو ان النصيحة غير صحيحة او مهمة حيث الناصح ومتناقض.. ولكن في الحقيقة مبادئي لااحدث غيري فيها كمرشد لانه لايستحق انا اتعامل مع مبادئي كدستور شخصي لنفسي فلااناقض نفسي ولايجد غيري حجة علي .. وهناك نوعين من الاشخاص الذين سيحاجونك..:

اولا شخص يريد الحق فاعطه حجتك وثبت مبادئك لديه

وثاني سيكون مجرد شخص تافه يريد نقدك لاجل النقد وهذا لاتهتم به

رأي يستحق الاحترام، مع التركيز أن رأيك الجميل مهم لحياة أفضل لك ولمن حولك.

بالتأكيد، فالآراء الجيدة كنز للباحثي عن الحق. لكنني أؤمن أن أرقى أنواع النصح هي أن تكون نموذجاً يُحتذى به؛ فالناس قد يجادلون في الكلام ويهاجمون النصوص، لكنهم لا يملكون حجة أمام الواقع والنتائج الملموسة التي يحققها صاحب المبدأ.