في زمنٍ باتت فيه الشاشات الصغيرة أكبر من الكتب، واللقطة العابرة أثقل من الحكمة، خرجت إلى العلن صناعة جديدة، لا تبيع سلعة ولا تقدّم علماً، بل تسوّق للتفاهة وتروّج للفراغ. مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة، يرقص فيها شخص أو يصرخ آخر أو يقلّد أصواتاً لا معنى لها، فتنهال عليها المشاهدات كالمطر، وتُرصّع أصحابها بألقاب "المؤثرين" و"صنّاع المحتوى".

أيّ سحر هذا الذي يجعل ملايين العقول تتابع محتوى لا يقدّم سوى ضحكة عابرة؟ أيّ زمن ذاك الذي تُختزل فيه الشهرة في إيماءة سخيفة، بينما يظلّ المبدعون الحقيقيون في الظل؟

الحكاية التي تتكرر

خذ مثلاً مراهقاً كـ"سامي"، شغوفاً بالقراءة، عاشقاً للعلم. لم يكن يتخيّل أن مقطعاً عابراً يرسله صديق سيغيّر وجهة أيامه. ضحك أولاً، ثم تابع ثانياً، حتى غرق في سيل لا ينتهي من مقاطع فارغة. صارت ساعاته تمضي أمام شاشة تلمّع التفاهة وتقدّمها كقدوة. شيئاً فشيئاً بهت شغفه الأول، وتحوّل النجاح في ذهنه إلى أرقام المشاهدات وعدد المتابعين.

لكن سامي ليس فرداً وحيداً في هذا المشهد. إنه مرآة لآلاف المراهقين الذين ابتلعتهم دوامة المحتوى الرخيص، فباتوا أداة في أيدي من يحسن اللعب بخوارزميات المنصات، لا أكثر.

صناعة الفراغ

التفاهة لم تعد مجرد نزوة شبابية؛ صارت صناعة متكاملة. المنصات تدفع بما يثير الفضول والضحك السريع، لأنها تعرف أن كل نقرة تعني إعلاناً مدفوعاً. وصانع المحتوى التافه لا يحتاج إلى جهد ولا علم؛ يكفي أن يكون صادماً أو مضحكاً ليجد نفسه في صدارة "الترند". ومن هنا تبدأ التجارة: جمهور واسع يُستدرج شيئاً فشيئاً ليصبح سوقاً استهلاكية ضخمة، تُغذّيها الشركات وتدفع لها الملايين.

الأثر على العقول

في ظل هذا الطوفان، يُربّى جيل كامل على معادلة مقلوبة: التفاهة طريق إلى المال، والفراغ وسيلة إلى الشهرة. القدوة لم تعد المفكر ولا المبدع ولا العالم، بل ذاك الذي يثير الضجيج أكثر. وهكذا تُستنزف طاقات المراهقين في متابعة ما لا ينفع، بدل أن تُستثمر في ما يبني عقولهم ومستقبلهم.

ومضة أمل

لكن الصورة ليست سوداء تماماً. ما زال هناك محتوى راقٍ ومؤثر، ما زال هناك صانعون يؤمنون بأن الكلمة والفكرة قادرة على كسر ضجيج الفراغ. التحدي الحقيقي هو أن يجد هذا المحتوى طريقه إلى قلوب الشباب، وأن نصنع بيئة تحتفي بالفكر لا بالهزل، وبالمعنى لا بالضوضاء.

خاتمة

إنّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس التفاهة في ذاتها، بل إيمان الأجيال بأن التفاهة قدر لا مفرّ منه. والسؤال الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا: هل نرضى أن يكبر أبناؤنا وهم يظنون أن الشهرة تصنعها الحركات الفارغة، أم نقف لنزرع فيهم يقيناً بأن المجد لا يولد إلا من المعنى والعمل؟