قد لا يُرزق الجميع هذه النعمة، لكني استيقظت هذا الصباح. ليكون أول قرار لي، هل أنهض أم أغفو خمس دقائق أخرى؟

بالطبع ،غفوت. بعدها فتحت عيني مجددا لتبدأ الحرب الحقيقية حول ماذا سأرتدي؟ فتحت الخزانة، عشرون قميصًا، وكلُّها لا تعجبني اليوم. هذا رسمي جدًا. هذا ضيّق قليلًا، وهذا يبدو بمقاس أخي الصغير. وهذا… لِمَ لَم أرمه، فهو يذكرني بلقاء سابق لم ينتهِ جيدًا.

بدأ صوتي الداخلي بالصياح : "أنت لم تبدأ يومك بعد، وأعلنت حربك منذ اللحظة الأولى." ربما أكون مجنونا، لكنني أكاد أجزم أنني اسمعه.

دخلت المطبخ. وفتحت المُبرد، وأطلت الوقوف. وكعادة ذاك الصوت وتذمره من كل ما أفعل:" هل أنت أعمى إن الثلاجة ممتلئة عن آخرها" ، ولكني أرد عليه: "بكل جدية، لا يوجد شيء يؤكل!"

هناك فقط جبن، بيض، زيتون، مربّى، نقانق…

لكن كل خيار من هاته الخيارات يحمل في جعبته فخ، فهذا جبن؟ لناس لا تهمهم صحتهم وبيض؟ كوليسترول.نقانق؟ مشروع تسمم. وزيتون؟ فيه نوى. مربّى؟ سكر، سكر، سكر! أغلقت الثلاجة وأكتفيت بكوب ماء، كزاهد متعبد!

مرّ روتين الصباح بسلام لكن مازال عندي الكثير لاحقا. ذهبت للعمل، لأجد على مكتبي ملفات من البارحة لم أكملها، وفي أقل من دقيقة اتصل المدير واستدعاني، ذهبت لأتفقد ما يريد، ليفاجأني بملفين آخرين طالبا رأيي أيّ مشروع يمكن أن نبدأ به. مُعلِنا دخول ذلك الصوت في الحوار، بدأ بالتهكم عليّ "فكر... أنت تفكر أكثر ممّا تعمل، هذه المرة ليست عشرين قميصا، وليست بعدد الملفات المكدّسة في مكتبك، بل ملفين فقط".

تجاهلته، وقررت أن آخذ الخطوة الأولى، فاتحا الملف الأول…:"ممم، تراه جيدًا، لكنه ليس ممتازًا. والثاني… ممتاز، لكنه معقّد" لم اعلنها صراحة بل كنت أفكر. ومن بين العوامل التي أخذتها في الإعتبار قبل إتخاذ أي قرار، هل أختار ما يحافظ على منطقتي الآمنة؟ أم ما يزيد من احتمال ترقيتي لاحقًا؟ وهل أراعي الفريق؟ أم مصلحة الشركة بدرجة أكبر في هذه المسألة؟"

لا أدري كم مرّ عليّ وأنا على هاته الحالة، ليقطع المدير حبل أفكاري بضحكة: "هاه؟ القيت نظرة على العرضين؟ ماذا قررت؟".يبدو أنه كان مستعجلا ينتظر ردِّي، أم أنّي أطلت التفكير.

هززت رأسي وأجبت ب: "نعم… نبدأ بما تراه مناسبًا يا أستاذ!" (فأنا ببساطة… تعبت ) ليس مما مررت به اليوم لأن اليوم ليس فقط إلا تكديسا لما فات.

بعد يوم عمل طويل، عدت إلى البيت، مرهقًا من كثرة التفكير، جائعًا من كثرة "الاحتمالات"، جلست وفتحت شاشة التلفاز ووصلتها بالأنترنت، ربما كان هذا أسرع قرار إتخذته. ولأُرفِّه عن نفسي قليلا قررت مشاهدة "إيجي بيست". قضيت أكثر من ساعة في التنقل بين أفلام دريم وورك وبيكسار أمٌا ديزني فأصبحت مقرفة لذا توقفت عن متابعة عروضها (والأخير أعتقد أنه من أفضل القرارات التي اخترتها ) … وبعدها بكل بساطة شاهدت جزءًا يسيرا من كل فيلم، أو بالأحرى لم أشاهد شيئًا.

يوما بعد يوم، هذا هو روتيني وكل يوم تواجهني خيارات في العمل لا تشبه سابقتها، هناك من يشتكي من الروتين ويبحث عن خيارات جديدة ، أمّا أنا فاختزلتهما في روتين مليء بالخيارات، حتى إنى امتنعت عن المثلجات لا من أجل صحتي بل لأنّ فيها أكثر من ثلاثين نكهه ، ولكي أهرب من كل هذا أحيانا أنظر إلى السقف وأفكر في كوني شخص طبيعيا أم لا؟ وهل يملك الجميع رفاهية الإختيار؟ أم أن الخيارات المفتوحة أمامي جعلتني غير قانع ومهزوز؟"

في طفولتي لم يتوفر لنا أغلب أصناف الطعام، وكنا نشاهد قناة تلفاز واحدة، وكان لوالدي جلابيتن أو ثلاث. ومع ذلك، كان مرتاح البال، ينام باكرًا، ولا يعاني من توتر القرارات. وللصدق هذا ما أتذكره عندما أحاول تصفية ذهني. 

ولا أدري إن كان العيب فيّ أم أنني أعيش في مرحلة من الحياة كل ما فيه قابل للاختيار… حتى القلق، أصبح بنكهتين!