استهداف العواطف وتغييب العقل أسلوب منتشر في محيطاتنا. ليس فقط في العالم العربي إنما في جميع انحاء العالم. تجد البعض جاهز لأي فرصة تتيح له الهجوم على شخص آخر، او شركة او دولة اخرى او منتج صناعي .. الخ لأنه قد غُيَّب عقلة واستهدفت عاطفته في اتهامات تشار إلى الطرف الآخر وقد لاتكون مثبته او حقيقية. قد تكون الحقيقة عكس توقعات المستهدف عاطفياً. وللهجوم اشكال كثيرة. منها نشر الاشاعات ومحاولة اثراء محتوى تشويه السمعة (بإضافة المزيد من المعلومات الخاطئة التي تفيد الاشاعة)، ومنهم من يتخذ تلك الاشاعة لضيف لها جملة جوهرية تستهلك العاطفة اكثر وتغيب العقول اكثر. وفي النهاية هناك مستفيد من تغييب العقول وترويج كل اشاعة بشكل عاطفي.

من تلك الامثلة الجميلة، في عام 2006 اشتهرت اشاعة ان مقهى Starbucks يدعم الكيان الصهيوني ضد فلسطين. كيف تم بناء تلك الاشاعة ؟

في عام 2006 كان مدير شركة Starbucks يهودي المعتقد وقيل انه تحول الى لاديني لاحقاً. وهناك اعلامي نصراني متشدد يكره اليهود. ونشر رسالة صحفية على لسان Howard Schultz (مدير ومؤسس شركة Starbucks) أنه يدعم دولة اسرائيل ويصب في مصلحة اقتصاد دولة اسرائيل. وفي عام 2006 ايضاً صرح Howard Schultz أن الكلام المنسوب أليه اشاعة. وأنه لايملك شركة Starbucks بل يملكونها مساهمين متعددي المعتقدات "منهم مسلم ونصراني ويهودي ولا ديني ... " مساهمين كثيرين. ولا تملك تلك الشركة دولة ولا تدعم أي سياسة او أي معتقد. انما هي شركة كباقي الشركات الاخرى.

ومنذ عام 2006 إلى الان، طُورت تلك الاشاعة لتستهدف العاطفة لا العقل. فلازلت ارى منشورات كـ "قطرة تشربها من شركة Starbucks هي من دم اخاك الفلسطيني". وهناكمن اصدقائي من يغضب مني عندما يراني في احد مقاهي Starbucks بسبب هذه الاشاعة. وتلك الاشاعة عبارةٌ عن كلامٌ لا أصل له! منبني على كذب لا يثبت صحة هذا الكلام (ولا حتى ربع دليل). ولو كان دليلهم ان مؤسس ومدير شركة Starbucks قال هذا الكلام. ففي موقعهم الرسمي [1] يقال العكس تماماً. كيف يكذب موقعهم الرسمي ماقاله مديرهم العام؟ واذا لم يقل ذلك مديرهم العام كيف تثبت تلك الاشاعة؟ هذه اسألة العقل المراد تغييبة. لايكفي ان اثق بصاحب المنشور الذي وثق غيبياً بصاحب المنشور الذي قبلة وهكذا! عقلي يريد اجابة عقلانية لا لمجرد التنمّر وصناعة الكذب وجاهزية الهجوم لدينا!

واذا كان السبب لأن هناك موظف يهودي في شركة Starbucks ولذا عليّ كمسلم مقاطعته، لمَ علي ان أتنزه عن شيء قام به رسولنا الكريم صلِ اللهم عليه وسلم. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعامل معهم، وقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي كما في صحيح البخاري. وايضاً هناك ألاف الموظفين المسلمين في نفس الشركة ! ومن جميع المعتقدات. فلا تنشر شيء لا تعرف له أصل فما كل شيء يسمع يقال وينشر.

كذلك اصدقائنا خبراء أمن المعلومات، بعضهم يريد تغييب العقل عن الأمن المعلوماتي ويكون هو العقل الوحيد الذي يفكّر نيابةً عنا نحن جميعاً فلا يحق لنا المطالبة بدليل! يريد ان يصبح كلامه بحد ذاته دليل قاطع ليس مبنياً على دليل! حتى لو كان كلامه اشاعة يغضب اذا طلبت منه اثبات ذالك ويحاول ان يتنمّر عليك نقاشياً. كما حصل لي عندما ناقشت شخصاً يفتي فتاوى أمن معلومات في تويتر وكان لديه جمهوراً عريضاً. فلا يرد عندما اطلبه أدله ويرد على بعض الاسئلة التي يجد فيها مجال تناظري وزيادة الجمهرة واضافة ميزة العقم بالنقاش. فنحن بشر نفكر بعقول مختلفة نريد أدلّة. كان يقول، هذا التطبيق ينتهك خصوصية المستخدم، وهذا يحمي حقوق المستخدم وخصوصيته. قاطع هذا واستخدم هذا. حسناً حسناً ؟ ماهو الدليل ؟ كيف وصلت الى هذه المعلومة؟ اخبرني فقط كيف توصلت؟ مروّجوا فكرة (انتبه ان تعرف الحكومة معلوماتك في الفيس بوك فهذه خصوصية) ليست كتلك الخصوصية التي تتطلع عليها الحكومات في المطارات عندما يفتشونك تفتيشاً كاملاً معلوماتياً وجسدياً. ومروًجوا فكرة اذا عرفت أمريكا اسمي الحقيقي من خلال الفيس بوك فأنهم يستطيعون السيطرة على العالم بينما عندما يروني امامهم ويعرفون اسمي من خلال جواز سفري لايستطيعون ذلك. (لا اريد الحديث عن امن المعلومات هنا) ولكن هؤلاء ايضاً مروجوا اشاعات تغيّب العقل. ويريد أحدهم ان ترتبط عقولنا بعقله الوحيد (كما في هندسة الشبكات يكون عقله Root الأمة في هذا المجال). وهناك من يقوم بإعادة نشر افكاره التي قد لاتكون على ادلة او اثباتات علمية. وهناك مطبلين ايضاً ودعم شركات لها مصلحة في هذا الموضوع. حقاً لاتتفاجئ هناك (من له مصلحة في تغييب عقول الناس، واستهلاك عاطفتهم).

خلاصة ما اود قولة، قبل أن تنشر فِكْرٌ قد يكون ضال، أو أشاعة قد تكون ظلمٌ لأصحابها، أو معلومة خاطئة. تأكد قليلاً انت أيضاً مسؤولاً عن ما تنشر ومسؤولاً ايضاً عن ما تعيد نشرة. فقط استخدم عقلك وتأكد من صحة ماتريد نشرة. وتذكر دائماً وللأسف (الغالبية يسارعون في نشر الاشاعات السيئة والهجومية) وبعضهم ينشرها بإسم الدين. لاتكن من هوؤلاء الغالبية. ولا تشغل التغييب الآلي المحاكي للطيار الالي في عقلك، فقط تأكد من شبهة ماتنشر. وليس شرطاً ان ما يقولونه أغلب الناس يكون صحيحاً. ليس كل ما يسمع يقال، وليس كل ماينشر حقيقة.

[1] http://news.starbucks.com/views/facts-about-starbucks-in-the-middle-east