منشور على مدونتي اليوم بتنسيق أفضل:


اتخذت سنة 2016 قرارًا بترك التدوين في الويب العربي والاتجاه إلى الأجنبي. تحفّزت حينها بالمردود المادي والمعنوي والانتشار والوصول والتغيير الذي يمكن لكلماتي أن تجنيه فقط إن غيّرت لغة الكتابة التي أكتب بها، ولم أبالِ بما خلّفته ورائي من مشاريع وثغور لم يعد يعمل عليها أحد. افتتحتُ FOSS Post باللغة الأجنبية كما عملتُ على بعض مشاريع البرمجيات مثل المسجّل الأخضر وغيرها.

كتبتُ في 2018 قبل أن أحذف حسابي على فيسبوك أنّه كان قرارًا صوابًا. اليوم أقول لقد كان هذا قرارًا خاطئًا.

لكن ليس للأسباب التي قد تظنها، من صعوبة المنافسة أو قلة المردود في الويب الأجنبي أو ما شابه ذلك، ففي الواقع لقد حققتُ مبتغاي من هذا التحوّل، لكن لأسباب أخرى لم آخذها بعين الاعتبار.

من فرض الكفاية على الأمّة أن يقوم أفرادها بتعلم العلوم التي تحتاجها وينشروها لبقية الناس. هذا فرض كفاية عام من قام به من الأمّة سقط عنها، أمّا إن لم يقم به أحد فتأثم الأمّة كلها فردًا فردًا.

ما هي العلوم التي نحتاجها لنهضتنا؟ نحتاج الكثير من التنظير الفكري وتنظير الهوية والدين والثقافة، بالإضافة إلى العديد من مجالات صناعة الدنيا كالهندسات والطب والعلوم. الآن بالنسبة لنا نحن كتقنيين عرب وفي الويب العربي نجيد استخدام التقنية إلى أبعد حدود، مالذي تحت أيدينا؟

أنا منضم في بعض المبادرات التطوعية التعليمية وأشاهد كيف يعملون من الداخل. أبكي بحرقة كلما أعلم أنهم يعتمدون على أشخاص متطوعين ليصلّحوا 10000 ورقة طالب في كل امتحان يجرونه، ولديهم 50 حساب مختلف على منصات التواصل الاجتماعية لا يعرفون كيف يديرونها بسهولة ويستخدمون خدمات الأتمتة للنشر فيها، بل ينشرون عليها بشكل يدوي… قنوات يوتيوب وتلجرام وفيسبوك وتويتر، كلها عليها أفراد متطوعون منهم يقومون حرفيًا بإهدار آلاف الساعات من أعمارهم فقط في هذه المهام الروتينية.

يريدون الوصول لجمهور أكبر، لكن لا يعرفون كيف يستخدمون إعلانات فيسبوك لعمل حملات ممولة رخيصة لجلب أكبر الجماهير بأقل التكاليف.

هواتفهم وحواسيبهم الشخصية كارثة، عليها 100 برنامج لا يعرفون من أين أتت وكلهم يشتكون من البطء والتعليق والفيروسات والمشاكل التي تواجههم في أنظمة ويندوز وأنظمة الهواتف.

طلاب العلم الذين لا يعرفون أين وكيف ينشرون محتواهم على منصّات التدوين ويحفظونه للآخرين… ينشرونه بشكل غاية في سوء التنسيق ويضيع ويندثر ولا يسمع به أحد. ربما جل ما يعرفونه عن التقنية هو استخدام المكتبة الشاملة.

الناشطون والعاملون الذين يعانون بشكلٍ كبير من المراقبة وانتهاكات الخصوصية وغياب الأمان الرقمي… لماذا؟ لأنهم لا يعرفون.

ملايين العاطلين عن العمل في العالم العربي من رجالٍ ونساء، والذين لا يعرفون شيئًا عن العمل الحر والعمل عن بعد، هؤلاء قد تتغير حياتهم حرفيًا بمجرد مقال يقرؤونه عن هذه الأشياء ليفتح لهم الطريق.

سألتُ نفسي – وأنا التقني الذي يعرف الحلول لكل هذه المشاكل – لماذا لا يعرف هؤلاء كيف يحلون مشاكلهم؟ ببساطة لأنّ أحدًا لم يعلّمهم. لا يوجد في كامل الويب العربي أي شروحات ذات قيمة عن هذه الأشياء للأسف. فيصير الأمر متروكًا لكل فردٍ منهم أن يبحث بنفسه ويتعلم كل هذه الأشياء لوحده، وهذا ما لا يمكنهم فعله مع انشغلاتهم الأخرى، فنصل إلى الواقع المؤسف الذي نحن فيه.

لم يخطُر على بالي للأسف من قبلُ قطّ أنّ نشر هذه العلوم وتعليمها للأمّة كلها هو فرض عين عليّ أنا وعلى أقراني الذين يبرعون في استخدام التقنية، لأننا قادرون عليها وعلى تعليمها للناس على عكس البقية الذين لا يدركون ذلك. هو فرض كفاية على الأمّة، ولكنه فرض عين علينا نحن. نحن حرفيًا نجني أكوامًا من الخطايا والآثام في كل يوم لا ننشر فيه العلوم التي لدينا لأهلنا وناسنا.

وهذا مختلف عن مناطق العلوم الأخرى بل واللغات الأخرى؛ لأن فرض الكفاية يسقط بمجرد أن تقوم به جماعة كافية من الناس. لكن أين هذه الجماعة الكافية من الناس في يومنا هذا؟ كل من يريد أن يشرح أهم الأشياء وأكثرها تقدمًا في التقنية باللغة العربية يأتي ليبيعنا دورات بـ400$ أو كتب بـ50$ أو مقالات مدفوعة. لا أفتي بأن هذا لا يجوز ولكنني أراه لا يجوز، لأنّه احتكارٌ للعلم الذي لا بديل فيه للناس، فلو كان هناك من يعلّم برمجة الجافا مثلًا في الويب العربي بشكلٍ كامل وجئت أنت لتعمل دورة مدفوعة عن تعليم الجافا، فحينها لا مشكلة لأن الآخرين لديهم وصول إلى نفس المعارف التي لديك. لكن ما يحصل للأسف لدينا هو أنّ أصحاب المعرفة يحتكرون هذه المعرفة ويكتمون هذا العلم، ولا ينشرونه إلّا بمقابل مادي ولا يوجد بديل آخر لهم، مما يمنع الأمّة من الوصول إلى العلوم والمعارف التي تحتاجها. ولهذا يأثمون جميعًا وبل وتأثم الأمّة معهم لأنّها لم تنتبه ولم تخرّج بدائل لهؤلاء فيما هي بحاجته.

من الثغور الحقيقية التي يؤجر المرء عليها اليوم: نشر التقنية وتعليمها للناس وتسهيل حياتهم وأعمالهم عبرها. بل ربّما يكون هذا من أهم الثغور خصوصًا في المستقبل حيث تقترب منّا حروب الذكاء الصناعي والـ5G والعملات الرقمية، حيث ستصبح أداة الحرب والجهاد كلّها أصلًا هي التقنية.

الآن؟ لا يوجد لدينا من يعلّم أبسط أساسيات استخدام التقنية باللغة العربية من استخدام الحواسيب والهواتف والأتمتة والنشر الإلكتروني والوصول للخدمات، فكيف سنصل حتى إلى الحديث عن أشياء مثل شبكات الجيل الخامس؟

إن أبقى الله العبد الفقير فسأحاول حل هذه المشاكل عبر مشاريع قريبة في الويب العربي عن ذلك. حاليًا أعمل على كتاب عن الأمان الرقمي سيُنشر قريبًا بإذن الله، كما أعمل على فهرس كامل شامل للبرمجيات مفتوحة المصدر ونظام لينكس سيُنشر على لينكس اليوم. تأتي بعده مشاريع أخرى إن شاء الله.

لكن اليد الواحد لا تصفّق! وهذه دعوة لكل مسلم عربي يجيد استخدام التقنية ويعرف هذا المجال أن ينشر باللغة العربية كل ما يعرفه، بالمجان، في كل المنصات والأماكن التي يمكنه الوصول إليها. وإذا تعاونت مجموعة من الناس على هذا الهدف – أي إسقاط فرض الكفاية عن الأمّة في التقنية – فالنتيجة طيبة بإذن الله لمستقبل هذه الأمّة، ولمستقبل هؤلاء الأفراد في الآخرة إن أخلصوا نيّاتهم لله.