الحياة مزيج من المتضادات التي لا تنتهي ، الضوء والظلام ، السميك والرقيق ، الخير والشر ، الخفيف والثقيل الخ.. ، ويمكن تقسيم هذه المتضادات الى قطبين ، القطب الإيجابي – الضوء ، الرقيق ، الخير – ،والقطب السلبي – الظلام ، السميك ، الشر - ، ولكن السؤال هنا ايهما إيجابي الِثقل ام الخِفة ؟ ، قد يبدو من البديهي للبعض ان الخفة هي الإيجابي والثِقل هو السلبي ، ولكن كونديرا يرفض هذه الإجابة ويحيك لنا في281 صفحة رواية رائعة يناقش فيها هذه البديهية ، فيصور لنا في القسم الأول علاقة توماس وتيريزا والتي تصور الثِقل على انه السلبي ، ثم القسم الثاني وهي علاقة فرانز وسابينا والتي يصور فيها الخِفة على انها سلبي ، ليطرح سؤالاً يترك اجابته للقارئ ..

.

توماس وتيريزا

توماس جراح في مشفى في براغ وتيريزا نادلة في حانة ريفية ، يلتقي توماس بتيريزا في اثناء رحلة عمل ، فيتعرف توماس عليها معرفة سطحية ليرجع الى براغ ، تطرق تيرزا باب منزله بعد عشرة أيام لزيارته لتعلن ومن دون سابق انذار دخولها في حياته ، ليمارسا الحب في اول ليلة يلتقيان بها ، تبقى تيريزا في منزل توماس لأسبوع بسبب اصابتها بالحمى لترجع تريزا بعدها الى قريتها ، وهذا غير مألوف تمامًا بالنسبة لتوماس ، فمع انه يمتلك العديد من النساء – حوالي المئتين طوال حياته ! – الى انه لم يسمح لأي واحدة منهن بالنوم لديه ، فالحب شيء والجنس شيء آخر ، يبقى توماس لثلاثة أسابيع يفكر ، اجل انها اللحظة الحاسمة ! ، هل يدعوها للعيش في منزله ؟ ،هل يختار ثِقل الارتباط ام خفة عدم الارتباط؟، حدث كل ذلك سريعًا عندما قدمت تيرزا الى براغ مجددًا زاعمه بأنها تبحث عن وظيفة ، يجد توماس نفسه سريعًا اسيرًا للحب ، ولكنه لا يتوقف عن مقابلة النساء ويحاول مرارًا وتكرارًا اقناع تيرزا بأنه لا دخل لعلاقته بالنساء بالحب بينهم ، وتحاول تيرزا تفهم ذلك الا ان نار الغيرة لا تنطفئ ، لتستمر علاقتهما طوال حياتهما بين الشد والجذب ، ذلك الثِقل الذي غزى حياة توماس وقيده من النساء ، وثِقل الغيرة في قلب تيرزا ، اجل انه ثِقل لا يطاق ..

.

فرانز وسابينا

فرانز أستاذ جامعي وسابينا رسامة وفي نفس الوقت محترفة – يبدو انها الترجمة اللطيفة لكلمة عاهرة - ويصادف ايضًا بأن سابينا هي عشيقة توماس المفضلة في القسم الأول ، فرانز متزوج ولديه ابنة ولكنه لا يحب زوجته اطلاقًا ، فيبدا بخلق اعذار لزوجته للسفر بحجة العمل لينعم مع سابينا أيام عدة ، يقرر فرانز في النهاية اخبار زوجته بعلاقته مع سابينا ، فتوافق زوجته على علاقته ! ، وعندما تعلم سابينا بذلك تقرر هجر فرانز والسفر دون ان تعلمه ، ليقضي فرانز وقتًا طويلاً يفكر بها ، حتى بعد ارتباطه مع احدى طالباته يتخيل سابينا وهي تراقبه ويحاول إرضاء خيالها ولكن دون جدوى ، وفي نفس الوقت تتنقل سابينا من عاشق الى آخر متجنبةً ثِقل الارتباط ، ولكن خفة عدم الارتباط ترهقها ، كما يرهق خيالها فرانز الذي انفصل عنها ، مجددًا انها خِفة لا تُطاق ..

.

الخِفة ام الثِقل ؟

حسنًا بما ان الثِقل هو مرادف للارتباط فهل يمكننا القول ان كل الارتباطات إيجابية او اكل الارتباطات سلبية ؟ ، بلا شك لا ، فكل علاقة هي مزيج خاص ، فلا يمكننا ان نصنف العلاقات ككل تحت نوع واحد ، وبذلك يكون كل من كونديرا وبارميند مخطئًا، فالظلام ليس سلبيًادائمًا والنور ليس ايجابيًا دائمًا ،ايضًا كل هذه المتضادات لا يمكن البرهنة على ان احدها هو إيجابي بالمطلق او سلبي بالمطلق ، اجل نشعر ان النور مرداف للإيجابية ولكن هل نستطيع البرهنة على ذلك ؟ ، اشك بذلك ، لذلك يمكننا القول ان الثِقل هو إيجابي وسلبي في وقت واحد ، ولكن هذه الإجابة لن ترضي كونديرا اكاد اجزم ، حسنا بالنسبة لي بشكل عام : الخفة عندما لا يسبقها ثِقل ، تكون هي الافضل ، اما عند التورط في علاقة فيكون الحفاظ على الثِقل افضل، مع انه من السهل جدًا إيجاد مثال مضاد ، ولكنها أرى بأنها قاعدة عامة ، طبعًا في حال كنا ننظر الى العالم بشكل استقطابي .