مرحبًا يا رفاق!
مضى وقت طويل منذ آخر مرة نشرت فيها مراجعة في هذا المجتمع، ولكن أردت أن تكون العودة هي حقًا عودة زمنية إلى الوراء، فبعد مساهمتي السابقة عن رواية موسم الهجرة إلى الشمال قبل خمس سنوات من الآن، وهي التي تصنف كواحدة من أهم الروايات في تاريخ الأدب العربي، عدت لأقرأها من جديد قراءة أكثر تمعنًا، في الحقيقة كانت كأنها المرة الأولى التي أقرأها ك "تقوى الحالية"، هل سبق وأعدتم قراءة كتاب بعد مرور سنوات وأحسستم كما لو أنها المرة الأولى؟ شاركوني تجاربكم!
في المراجعة السابقة التي كتبتها بدافع حماس البدايات، تحدثت عن عذوبة الوصف وتصوير بيئة السودان، وما زلت مقتنعة بأن الطيب صالح أسطورة في الوصف وتصوير المشاهد والدقة في رسم التفاصيل، فهو يحول الكلمات في الورق إلى مشهد درامي متكامل، مسلسل تعيش أحداثه في مخيلتك، إنه يمنحك القدرة حتى على تخيل ملامح الشخصيات وتصويرها خلف عينيك.. يا له من سحر!
ولكن هذه المرة أعود إلى لمناقشة محاورٍ أخرى تناولتها الرواية في طابع سردي سلس وشاعري ولكنه لا يخلو من العمق..
- الصراع بين الشرق والغرب.. كيف يرى الإنسان نفسه.
تطرح الرواية مفارقات ما بين الشرق والغرب أو دعنا نقول أنها تناقش أثر الغربة والعودة لحضن الوطن على روح الإنسان، وكيف تصبغ شخصية الإنسان وتشكّلها، ولكننا أيضًا نرى صراع بين شخصيتين في نفس واحدة، وأيضًا نرى كيف ينظر المرء لنفسه كمواطن أفريقي ناطق بالعربية، وكيف يرى الغربيّ الأبيض في تلك البلاد الباردة، وكيف يتسلل ليأخذ مكانه ويصنع مكانته بينهم وفي عقر بلادهم، كما فعلوا هم عندما جاؤوا بلادنا مستعمِرين.
لطالما كنت أقول، النضج ضريبة التقدم بالعمر، ولكن العودة إلى الوطن بعد طول الغياب، هي عودة إلى ذلك الطفل الذي كنته روحًا وبدنًا، بذات الإندفاع نحو الحياة وحبها، والشوق إلى القصص والحكايات، وهذا ما لمسته أيضًا من كلمات الطيب صالح وسرده فشعرت بالإنتماء إلى تلك الأوصاف والأحداث.
“إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة.أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر.ثمة آفاق كثيرة لابد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء.”
- روح الإستعمار الباقية.. ما بين المُستعمِر والمُتسعمَر
امتدادًا للنقطة السابقة، طرحت الرواية تساؤلات ومحاورات تحلل تأثير الاستعمار على ملامح البلاد حتى بعد انتهائه، لشخصيات عاصرت الاستعمار في صغرها والإستقلال في نضج تكوينها، لتعيش واقعين مختلفين تمامًا ولكن آثار الأول باقية على الثاني، أو كما ذُكر في بعض المواضع "الإستعمار الخفي"، فنرى النظرة الإستعلائية للمستعمِر حتى بعد انتهاء الإستعمار، ونرى النظرة الدونية للمواطن المستقل الذي ربط تقدّمه بوجود المستعمِر واستحالته بغيابه.
برأيي، فكرة الإستعمار برمّتها ما زالت باقية وتتمدد عبر الأجيال دون ملاحظتها أحيانًا، فالاستقلال جاء لينهي الوجود المادي للمستعمِر، ولكن بصمَته ما زالت تستحوذ على شيءٍ كبير من الفكر المجتمعي، تلك النظرة الدونية التي تنظر للمستعمِر بعين الإنبهار، لا تزال هنا، بينما يصبح المناهض لها أضحوكة بين الناس!
“ها أنتم الآن تؤمنون بخرافات من نوع جديد : خرافة التصنيع ،خرافة التأميم ، خرافة الوحدة العربية ،خرافة الوحدة الإفريقية . إنكم كالأطفال تؤمنون أن في جوف الأرض كنزاً ستحصلون عليه بمعجزة ، وستحلون جميع مشاكلكم ، وتقيمون فردوساً . أوهام . أحلام يقظة . عن طريق الحقائق والأرقام والإحصائيات ، يمكن أن تقبلوا واقعكم وتتعايشوا معه وتحاولوا التغيير في حدود طاقاتكم ."
- مصطفى سعيد الغريب جدًا.. ماذا أراد من الحياة؟
بالطبع مصطفى سعيد، المحور الأساسي للقصة لا بد أن يذكر هنا، هذه الشخصية التي أثارت فضول الراوي والقارئ معًا، متعدد الشخصيات والحياوات، على الرغم من تصويره كبطل في الكثير من الأحيان، فحياته مليئة بالفصول المثيرة والإنجازات التي لا يمكن إنكارها، إلا أنه حمل معه ضغينة خفية للمستعمر وتكشّفت لي بوضوح في جملة قالها بلسانه لا يسعني ذكرها هنا، ولكن سلسلة الإنتحارات التي تركها خلفه في انجلترا وسعيه إلى السيطرة على النساء الإنجليزيات ثم دفعهن للموت، كل ذلك بدا لي انه انتقام من المستعمر الذي ترك مخلفاته في المجتمع السوداني، فكان مصطفى سعيد، وعبر استهدافه للنساء وكأنه يهاجم المجتمع الإنجليزي ويُرضي نزعته الإنتقامية وغروره. ولكن يبقى السؤال الذي لم يتفق على إجابته، ماذا أراد مصطفى سعيد حقًا من هذه الحياة؟
“إنك يا سيد مصطفى سعيد رغم تفوقك العلمي رجل غبي، إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة، لقد بددت أعظم طاقة يمنحها الله للناس : طاقة الحب”
- جرأة مبالغ بها، هل كانت ضرورية؟
من الإنتقادات التي واجهتها هذه الرواية العبقرية، هو اللجوء إلى الجرأة المبالغ بها، في الوصف الحميمي، والحوارات الجريئة أخلاقيًا، وهي في بعض المواضع بدت مبالغ بها بل وحتى غير ضرورية -على الأقل هذا ما وجدته- مما يطرح تساؤلًا هل تعكس واقعًا ملموسًا بجرأة، أم أنها مجرد مبالغات من خيال الكاتب لإضفاء عامل الإثارة على الأحداث.. ما رأيكم أنتم؟
وأخيرًا، لأتوقف هنا وأسألكم عن آرائكم حول هذه الرواية.. أخبروني عنها!
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش