"إن نظرة مستفيضة في كتاب عبد الرحمن الجبرتي عجائب الآثار في التراجم والأخبار " تصدمنا في رجل نعتبره بطلاً عظيمًا، وتطلق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية في حي المنيل بالقاهرة، وهو سليمان الحلبي، لقد قدمت مناهج التاريخ في المدارس المصرية سليمان الحلبي باعتباره بطلاً مغوارا، قدم تضحية عظيمة بقتله قائد الحملة الفرنسية، أما عبد الرحمن الجبرتي فيقول لنا صراحة: إن سليمان الحلبي قاتل مأجور يكرى ليقتل" وعندما يصف "الحلبي" يقول عنه إنه: شخص من سفلة السفلة" أهوج، وأحمق، ومتدنس بالخطايا" راجع هوامش التاريخ من دفاتر مصر المنسية لمصطفى عبيد الرواق للنشر والتوزيع 2018
يضاف إلى هذا، أن سليمان الحلبي لم يكن حين قتل كليبر جديد عهد بمصر، فقد سبق وجوده فيها ثلاث سنوات قبل أن يذهب إلى حلب لزيارة والده الذي وجده مثقلاً بالضرائب والديون، تلك السنوات الثلاث لم يقل فيها لزملائه المشايخ إنه سيغازي في سبيل الله، ولكنه اشترى الخنجر - كاعترافه - من غزة وجاء به إلى مصر، ولم يكن للرجل منذ قيامه بمصر أي تاريخ نضالي.
التعليقات
الجبرتي لا يعتمد عليه كمصدر تاريخي ، إلا بعد المقارنة و الفحص و التأكد بنفسك . أشخاص مثل المقريزي مثلا ، لديهم منهجية علمية ، فحين كتب تاريخه تأكد من المعلومات التي ذكرها و فحصها جيداً . أما الجبرتي فمنهجه مختلف ، لأنه لا يراجع و لا يتأكد ، بل يقول ببساطة انا أكتب ما سمعت و الفحص و التأكد مهمة من يقرأ.
لكن طالما فعل شيء في مصلحة البلد وقتها فلا يهم إذا كان مأجور وحصل على ثمن أم مناضل. قتله لقائد الحملة أربك القادة وزاد حالة الاضطراب داخل قواتها ورفع الروح المعنوية لجزء من المقاومة الشعبية في مصر وقتها تقييم الشخصيات التاريخية لا يعتمد فقط على نواياهم لكن الأهم على أثر أفعالهم في زمانهم.
لا يوجد شيء مضمون العواقب كان ممكن قتله لقائد الحملة يجعل الحملة تأخذ أوامر بالانتقام من المدنيين على نطاق واسع كنوع من الثأر وبهذا يكون قتل قائد الحملة كان تصرف خاطئ، وبشكل عام حتى في الحروب المواجهة المباشرة هي المواجهة السامية كأن يلتقي الناس في ميدان الحرب.
كيف تتأكد من صحة المعلومة؟ فعادة بالتاريخ نقرأ التاريخ من منظور كاتبه وقد نجد من يمجد شخص وهو بالمقابل بنظر شخص آخر معتدي، كالمثال الذي ذكرت
قاتل مأجور يكرى ليقتل" وعندما يصف "الحلبي" يقول عنه إنه: شخص من سفلة السفلة" أهوج، وأحمق، ومتدنس بالخطايا"
حتى لو كان الشخص في الماضي منحرف التصرفات أو طباعه سيئة لكن بارتكابه عمل جيد فهو يكشف أن نفسه سامية وأن سلوكه السابق كان كالتراب على الجواهر، وهذا أفضل على كل حال من شخص سمعته جيدة وسلوكه قويم ويرتكب في مرة عمل دنيء يجعله يخسر كل سمعته وماضيه الجيد.
أفهم الفكرة التي تطرحها حول أن العمل الجيد قد يعيد تشكيل نظرتنا للشخص، لكن أرى أن الأفعال في النهاية لا تمحو بعضها، بل تتعايش داخل الصورة الكاملة للشخص. قد يقدم الإنسان فعلًا نبيلًا في لحظة ما، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل ما سبقه يصبح غير مؤثر، كما أن السلوك السيئ لا يُمحى لمجرد موقف إيجابي لاحق. ما يتشكل غالبًا هو صورة مركبة، فيها جوانب متناقضة تعكس طبيعة الإنسان نفسه.
هذا غير ان فكرة تزييف التاريخ ليست دائمًا مرتبطة بالشخصيات فقط، بل أحيانًا ترتبط بطريقة قراءة الأحداث وانتقاء الروايات. لذلك ربما الأهم من الحكم النهائي على الشخصية هو فهم السياق الذي صنعت فيه أفعالها، بدل تحويلها إلى صورة إما بيضاء بالكامل أو سوداء بالكامل.