في عصرنا، لماذا فقدت الحرفة جاذبيتها؟ من كتاب نظام التفاهة

​يقول آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة": "لقد فُقدت الحِرفة. يمكن للناس الآن إنتاج الوجبات على خطوط الإنتاج دون أن تكون لهم معرفة بالطبخ، إعطاء تعليمات هاتفية للعملاء رغم أنهم هم أنفسهم لا يفهمونها، وبيع كتب أو صُحُفٍ لا يقرؤونها أصلًا. إن الفخر بالعمل المُنجَز جيدًا صار في طور الاضمحلال". في عصر رأسمالي يقوم على الإنتاج والكم، فقدت الحرفة مكانتها وقيمتها. والحرفة هنا لا تقتصر على الأعمال اليدوية المتقنة، بل تشمل كل إتقان وفهم عميق للعمل الذي يقوم به المرء.

​أصبحت معظم المؤسسات، بما فيها التعليمية، تركز على تأهيل الأفراد لتكرار العمل بشكل متقن، دون الاهتمام بالخلفية العلمية والمعرفية، أو بناء عقلية نقدية قادرة على التغيير. وكأن كل الأعمال قد أخذت إطارًا موحدًا. فالهدف ليس الإبداع، بل هو الإنتاج، وهو ما أعطى للربح الأولوية القصوى دون التفكير في الجوانب المعنوية للعمل، أو حتى الإنسانية.

​يحاول بعض الأشخاص في عصرنا التغلب على حالة الجمود التي فرضت نفسها على الساحة، من خلال الاهتمام بالفن، والإبداع، وتقديم عمل متقن بلمسة إنسانية حقيقية. وقد حققت هذه المناهضة نجاحًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، ولكن تبقى العديد من الجوانب التي تفتقر إلى الحرفية والإتقان، وتُعنى فقط بالإنتاج.

​برأيكم، كيف يمكن مواجهة هذا التحدي؟ وهل سيبقى الوضع على ما هو عليه، أم أنه في طور التغيير؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أظن أن ما قاله آلان دونو في "نظام التفاهة" قد يكون صحيحاََ، ولكن لقد تغير العصر عن العصر الماضي فالحرفة في وقتنا الحالي أخذت شكلاََ مختلفاََ فأنا مثلاََ أعمل كمهندسة بيانات وهناك من يعمل في البرمجة وآخر يعمل في صناعة المحتوي وبرأي أنها شكل حديث للحرف القائمة على المعرفة والابتكار. المشكلة لا تكمن في أن الحرفة بحد ذاتها قد فقدت، بل أن طريقة قياس نجاح العمل قد اختلفت فأصبح البحث عن الربح السريع على حساب جودة المنتج أو جمال الأداء الفني. هذا يخلق فراغاََ أمام من يبحث عن العمل المتقن. المطلوب هو إعادة تعريف الحرفة لتشمل إتقان الوسائل الحديثة في العصر الرقمي، لتجمع بين الجودة والابتكار مع الإنتاجية؟ وهل سيصبح المجتمع مقدراََ هذه الحرفة الجديدة كما كان يقدر الحرف التقليدية، دون التقيد بما يراه السوق مربحًا فقط؟

أتفق معكِ تمامًا يا شيماء، فالحرفة قد اتخذت شكلًا مختلفًا عن السابق. ولكن في المقابل، نجد بعض المؤسسات التي تُدرّس البرمجة دون الاهتمام بالبيئة المعرفية المؤهلة لها. فالبرمجة أداة، وهذه الأداة ناتجة عن تطورات علمية ونظرية، خاصة في مجال الرياضيات.

​للأسف، يركز البعض على تعليم الأداة نفسها، دون الاهتمام بالأساس المعرفي القوي الذي يجعل منها أكثر من مجرد مجموعة من الأوامر. هذه المشكلة تُشبه تمامًا ما يطرحه الفيلسوف الكندي آلان دونو، الذي يرى أن هناك اتجاهًا سائدًا لتقليل قيمة المعرفة الحقيقية واستبدالها بالخبرات السطحية، مما يُفرغ التخصصات من محتواها العميق ويجعلها مجرد مهارات قابلة للتطبيق دون فهم جوهرها.

أرى أنه منطقي ألا تهتم الشركات بخلفية العامل فالأهم بالنسبة لهم تحقيق الأرباح والأهداف. أما الخلفية العلمية والعملية فأرى أنها تعتمد على الفرد نفسه ومدى إرادته وجهده لتطوير ذاته ووعيه. وحاليا الاتجاه في عصرنا يتمحور حول تطوير الذات ونشر الوعي. وقد لاحظت أنه مؤخرا زاد اهتمام جهات التوظيف بخلفية الموظف فهم يفضلون الأشخاص الخبراء المحبين للعمل المطلوب والمختصين به. وهناك من يسعون مثلا لتقديم تدريب شامل قبل التوظيف. لذا فأعتقد أن هذا حتما في طور التغيير.

دعينا من الشركات، فالأمر وصل إلى أن المؤسسات التعليمية نفسها باتت تفكر بنفس السطحية. إن جلّ هدفها أصبح تلبية متطلبات سوق العمل، بدلًا من تقديم قيمة مضافة حقيقية تُثري العالم المعرفي. وهكذا، تحولت هذه المؤسسات من كونها منارة تُؤسس وتُجدد في الحياة العملية والمعرفية، إلى مجرد انعكاس لما هو سائد في الخارج. لقد أصبح دورها مقتصرًا على تخريج عاملين مُدربين، لا مفكرين أو مبدعين قادرين على تطوير هذا السوق وتوجيهه نحو آفاق أرحب. وهذا هو ما يفسر الانفصال بين الأكاديميا والعلم الحقيقي، مما يهدد بجمود المعرفة وتوقفها عند حدود التطبيق العملي.

أثار انتباهي هذا الأمر كثيرا، فهو يشبه تحليلا لآثار الثورة الصناعية الحديثة، خصوصًا فكرة أن الحرفة لم تعد مرتبطة فقط بالأعمال اليدوية بل بكل إتقان حقيقي في أي مجال، أتفق معك أن نظام الإنتاجية والكم جعل الكثير من الأعمال تبدو وكأنها بلا روح، مجرد تكرار آلي لا يحمل أي قيمة شخصية أو لمسة إنسانية، لكن أظن أيضًا أن هناك جانبًا آخر: ربما ما زالت الحرفة موجودة لكنها انتقلت من شكلها التقليدي إلى أشكال جديدة، مثل البرمجة أو التصميم الرقمي أو حتى صناعة المحتوى، وهي مجالات قد تبدو "حديثة" لكنها تحتاج إلى إتقان وابتكار و إلمام كامل لا يقل عن النجارة أو الحياكة في الماضي.

المشكلة، برأيي، ليست فقط في النظام الاقتصادي، بل أيضًا في نظرة الناس أنفسهم للعمل؛ حين نعتبر الإتقان مجرد وسيلة للربح، نخسر معناه الأعمق، سؤالك في النهاية مهم جدًا، وربما التغيير يعتمد على قدرتنا كأفراد أن نعيد تعريف الحرفة في حياتنا اليومية بدل أن ننتظر المؤسسات لتقود هذا التغيير، هل ترين أيضا أن الحل يبدأ من المستوى الفردي فعلًا أم أن الأمر يحتاج لثورة على مستوى المؤسسات؟

أتفق تمامًا أن الحرفة قد اتخذت شكلًا مختلفًا عن السابق، إلا أن هذا التحول لا يُلغي حاجة المرء إلى إتقان أسسها العلمية والنظرية. فالعلوم الأساسية مثل الرياضيات، والفيزياء، والمنطق، وغيرها من العلوم التي تختلف باختلاف التخصص، هي حجر الزاوية الذي يُبنى عليه أي إبداع أو تقدم.

​ولكن ما نراه يحدث الآن هو التركيز المبالغ فيه على إتقان الأداة التقنية وحدها، دون الاهتمام الكافي بالأسس العلمية التي تُمكّن الفرد من فهم تخصصه بعمق، وتجعله قادرًا على الإضافة إليه وتطويره، لا مجرد استخدامه. فربما يكون الهيكل العام للحرفة قد تغير، ولكن الإتقان والحرفية الحقيقية لا تكمن في إجادة استخدام الآلة فحسب، بل في فهم المبادئ التي بُنيت عليها هذه الآلة.

​هذا التحول لا يقتصر على المستوى الفردي وحده، بل يجب أن تدركه المؤسسات وتتبناه، وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية. فهذه المؤسسات، للأسف، أصبحت مرآة تعكس الواقع بدلًا من أن تكون محركًا يساهم في تجديده وتطويره. يجب أن تعود لرسالتها الأساسية في تخريج مفكرين ومبدعين، لا مجرد فنيين يتقنون أدواتهم.

انا اعارض الان دونو حول ربطه نظام التفاهة بالحرفة لان اتجاه البشرية العام نحو البساطة دليل تخصص معرفي بعيدا عن التعقيد والمفهوم الثابت والجامد ومثال على ذلك في مجال البرمجة قديما قضيت سنوات اتعلم لغات برمجية تعتمد على خوارزميات" أشبه بطلاسم " اما الان ما يهم الناس تطبيقات سهلة جذابة اي بمعنى تخريج العمل باسلوب سهل كنافذة ويب متاحة لاي كان ولا يعني المستخدم اي من تعقيدات البرمجة.

لا أعتقد أن آلان دونو كان يناقش فكرة السهولة أو الصعوبة في أداء العمل، بل كان يركز على خطورة التكرار الأعمى دون فهم لآليات العمل وأساسياته. ​فحتى العمل الذي يبدو سهلاً يتطلب فهمًا ووعيًا عميقًا يجعله مختلفًا عن عمل الآلة. إن الإنسان المبدع لا يكرر المهام بشكل آلي، بل يعمل باستيعاب وإدراك يمنحانه القدرة على التطور والإضافة. هذا الوعي هو الذي يميزه ويمنعه من أن يصبح مجرد أداة.

لا اتفق...

اثناء بناء الاهرامات . ربما فقط ١% يعرف تماما ماهية المشروع و٩٩% الباقي من الاشخاص ينفذو مهام محددة ومكررة.

نفس الامر اليوم عند انتاج ١٠٠٠٠ قرص بيتزا في معمل.

ربما ١% من الاشخاص بالمعمل يعرف تماما تفاصيل خط الانتاج وبرمجته و الخلطات السرية ... أما الباقي فيعملو بمهام متكررة بالمعمل ...

لكي أكون صريح ... يحتاج المجتمع للاهتمام واعطاء الفرصة لل١% النخبة المبدعة ... وعندها سوف يصبح المجتمع بالقمة ...

على المدى القصير نفرح لدعم سعر الخبز والوقول ب ٢٠% من الميزانية . في حين لو كان الدعم بنفس المبلغ للمبدعين والمطورين لتحسن دخل الجميع

أتفهم وجهة نظرك. ما يعنيه آلان دونو ليس الدعوة لفهم كل التعقيدات العلمية لكل عمل، بل هو التحذير من أن يصبح التكرار الأعمى نهجًا عامًا يتبعه الجميع.

​لا شك أن فهم الإنسان لجوهر عمله هو الذي يجعله غير قابل للاستبدال من قبل الآلة، وهو ما يضيف قيمة حقيقية لعمله من خلال اللمسة الإنسانية الفريدة.

​المطلوب ليس أن يصبح كل عامل عالِمًا، بل أن يمتلك كل فرد الحد الأدنى من الوعي والفهم الذي يمكنه من الإبداع في إطاره، ويتجنب مجرد تكرار المهام بشكل آلي. بهذا الفهم، يتحول العمل من مجرد روتين إلى إنجاز إنساني له بصمته الخاصة.