المكوس هي الضرائب بإجماع السلف وتبريرها هو شيء محدث

قال تعالي في سورة البقرة:

الآية نصاً: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) [البقرة: 188].

سورة النساء:

الآية نصاً: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) [النساء: 29].

وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله) قال: كانوا يقعدون على الطريق يوجبون أموال الناس (أي يأخذون مكساً وضريبة على السابلة وتجار الطريق)، وكانوا أول من وضع المكس.

حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة صاحب مكس" يعني العشار.

وحديث المرأة الغامدية: قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له".

قال الإمام النووي: "فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات".

الإمام ابن حزم الظاهري (المحلى بالآثار):

"ولا يجوز أن يؤخذ من مال مسلم ولا ذمي شيء أصلا غير الزكاة، وخمس الغنيمة، وما صولحوا عليه... وأما ما عدا ذلك فإنه من أكل أموال الناس بالباطل وهو مكس محرم"

وقال الإمام الذهبي: "المكَّاس... من أكبر أعوان الظلمة، بل هو من الظلمة أنفسهم؛ فإنه يأخذ ما لا يستحق، ويعطيه لمن لا يستحق". وعده من الكبائر.

وقال الخطابي: "صاحب المكس: هو الذي يعشر أموال المسلمين، ويأخذ من التجار والمختلفة إذا مروا عليه وعبروا به مكسا باسم العشر".

وقال المناوي في فيض القدير: "المراد به العشار وهو الذي يأخذ الضريبة من الناس".

ابن عقيل الحنبلي :

"كل ما احتاج المسلمون إليه، ولم تقم مصلحتهم إلا به، فهو على بيت المال. فإن أخذه السلطان منهم، فهو مكس".

قال صاحب عون المعبود: "المكس هو النقص والظلم وهي الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار".

وفي شرح السنة: "صاحب المكس هو الذي يأخذ من التجار إذا مروا به مكسا باسم العشر".

وقال الفيومي في المصباح المنير: "وقد غلب استعمال المَكس فيما يأخذه أعوان السلطان ظلمًا".

وقال الجمهرة: "الجِبايَةُ، أو الضَّريبَةُ التي يأخذُها الماكِسُ مِمَّن يدخُلُ البَلَدَ مِن التُّجارِ، وهو العَشَّارُ".

ابن خلدون: "السلطان إذا احتاج، ضرب سكة رديئة، فيرخص المال، وتغلو السلع. وهو نوع من أكل أموال الناس بالباطل".

أفـي كلِّ أسواق العراق إتــاوة .. وفي كلِّ ما باع امرؤٌ مكسَ دِرهَمِ

تحريم بناء الأسوار علي البحر أو الحدائق والأماكن العامة

روى الإمام البخاري في صحيحه (حديث رقم 2370) عن الصعب بن جثامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا حِمَى إلا لله ولرسوله

و قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار)

الإمام الشافعي (كتاب الأم):

جاء في كتاب (الأم) للإمام الشافعي، ج 4 / ص 62:

وليس للإمام أن يحمي لنفسه، ولا لخاصة دونه، ولا يحمي إلا ما كان فيه صلاح لعامة المسلمين، كخيل الجهاد وإبل الصدقة، وما يعود نفعه على الكافة

كتاب (المغني) لابن قدامة : يجوز للإمام أن يحمي للمسلمين كلاً يَرْعَوْن فيه خيلَ الجهاد، ونَعَمَ الصدقة، والضوالَّ، وما يحتاج إلى حمايته لمصلحة المسلمين... وشروطه أربعة: أن يكون بالإمام، وأن يكون لمصلحة المسلمين لا لنفسه، وألا يضيق على الناس تضيقاً يضر بهم، وألا يحمي مملوكاً لأحد

أبو يوسف لهارون الرشيد:

"ولا تُقطع الطرق، ولا الأسواق، ولا المساجد، ولا الجسور، ولا المعادن الظاهرة، ولا المراعي. فإن هذه للمسلمين عامة، فمن سبق إليها فهو أحق بها، ولا يحل منعهم".

الماوردي في الأحكام السلطانية:

"وأما ما تمس الحاجة إليه من المرافق العامة، كالطرقات الواسعة، والساحات والحدائق ، فلا يجوز إقطاعها، لأنها حق للكافة. فإن أقطعها الإمام، كان إقطاعه باطلاً".

ابن تيمية في السياسة الشرعية:

"ليس للإمام أن يحجر من الأرض ما يحتاج المسلمون إليه، كالمرعى والمحتطب والماء. ومن فعل ذلك فقد غصب".

القواعد والثكنات العسكرية

يقول عمر عن البلاد المفتوحة

"وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا"

السرخسي الحنفي في المبسوط:

"يجوز للإمام أن يحمي موضعاً للرباط بقدر الحاجة. فإذا زالت الحاجة، عاد مباحاً. ولا يجوز أن يحمي ما لا حاجة فيه، ولا أن يبيع ما حماه".

العز بن عبد السلام:

"إذا حمى الإمام موضعاً للمصلحة، ثم زالت المصلحة، وجب فك الحمى. فإن استمر، كان ظالماً".

الدولة لا تتدخل في الاقتصاد وأغلب الأعمال تكون بتبرعات من المؤسسات وأهل الخير

أبو يوسف في الخراج قال لهارون الرشيد حرفياً:

"ولا تأخذ من المسلمين شيئاً على الجسور والقناطر والأسواق والطرق، فإن ذلك مكس، والمكس لا يحل. وإنما أُحدث في الجاهلية، فأبطله الله بالإسلام".

ابن القيم في زاد المعاد:

"وأما ما يؤخذ من المسلمين من المكوس على السلع والدواب والسفن والجسور فهو ظلم صراح".

النووي في المجموع:

"أجمع المسلمون على تحريم المكس، وهو ما يأخذه العشار -الجمارك- وما يؤخذ على الجسور والطرق

الماوردي:

"عمارة الجسور والقناطر وحفر الأنهار من فروض الكفاية على بيت المال. فإن فعلها السلطان، لم يجز أن يأخذ عليها عوضاً، لأنها لمصلحة المسلمين عامة، ومنفعتها لهم، فلا يجوز أن يبيعهم ما هو حق لهم".

العز بن عبد السلام:

"لا يجوز للإمام أن يبني جسراً ثم يمنع الناس منه إلا بدرهم. لأن الطرق والأنهار حق مشترك، فمن سبق إلى مباح فهو أحق به".

ابن تيمية في السياسة الشرعية:

"ليس للإمام أن يحدث على الناس ضريبة لأجل طريق أو جسر. بل ذلك من بيت المال. فإن لم يكن في بيت المال، كُلف به الأغنياء فقط، بقدر الحاجة، ثم يعود مباحاً".

الليبرالية في نظام الخلافة الإسلامية

كل النقاشات المعاصرة حول الشريعة والحكم تقع في فخ الجدل العقيم والصخب السياسي، مثل أطروحات جماعة الإخوان وغيرهم، حيث تُصور المسألة خطأً على أنها معركة حتمية بين عصرنة الدولة الحالية وبين رغبة جامحة في العودة إلى الماضي والتخلي عن التطور. هذا الضجيج يخفي حقيقة مدهشة، وهي أن الجوهر الحقيقي للنظام الاقتصادي الإسلامي يحمل أبعاداً متحررة ومتقدمة للغاية تسبق الكثير من النظريات المعاصرة في تقليص سلطة الدولة ومنح الحرية الكاملة للأفراد.

عند التفتيش في عمق التاريخ المالي، تظهر كلمة المكوس التي تعني ببساطة الضرائب والرسوم والجمارك بمفهومنا الحالي. وفي الوقت الذي تبرر فيه الدولة الحديثة التهام نصف أموال الناس بحجة تسيير الأموال وبناء المشاريع، يقف النظام الإسلامي في المربع المقابل تماماً، حيث يرى في هذه الرسوم صورة من صور الظلم الصارخ، وأكلاً لأموال الناس بالباطل، بل إن الفقهاء أدرجوها ضمن كبائر الذنوب والمحرمات لأنها تعتدي على حق الملكية الشخصية وحرية التجارة.

الفلسفة المالية هنا تقوم على محاصرة نفوذ الدولة المالي عبر جعل مواردها شحيحة ومحدودة للغاية. بيت المال لا يعتمد على الجباية، بل يقوم أساساً على الخراج، وهو ما يخرج من ثروات الأرض بطبيعتها كالمعادن أو الزروع المستصلحة. وبسبب هذه المحدودية، تلتزم السلطة بحدود صارمة لا تتخطاها:

البنية التحتية في أضيق الحدود، حيث تُنفق أموال الخراج فقط على الضروريات التي لا غنى عنها للناس، مثل شق الطرق، وبناء الجسور، وتوصيل المياه والكهرباء.

الأمن والجيش بلا تغول، فالميزانية الشحيحة لا تسمح بصناعة أجهزة أمنية ضخمة ومستبدة، وتاريخياً كان تجهيز الجيوش يقوم على التبرعات والصدقات الطوعية، ولم يكن فرضاً جبرياً، لدرجة أن من لم يجد وسيلة انتقال كان يُعفى تماماً من الخروج وقصة الذين تولوا تفيض أعيناهم دمعاً قصة مشهورة .

حظر احتكار الفضاء العام، فلا يحق للحاكم أو السلطة الاستيلاء على الأراضي العامة أو تسييجها لصالحه أو لصالح حاشيته وجنده، وهو ما يُعرف بحمى الحمى. وقديماً ثار الناس على الخليفة عثمان لمجرد أنه خصص مساحة صغيرة لرعي إبل الصدقة، بينما نرى اليوم قرى كاملة وشواطئ ومناطق شاسعة تُغلق وتُحتكر لصالح فئات معينة أو فنادق وتظل فارغة بلا سياح أو عمار، رغم أن الأصل الإنساني يقرر أن الناس شركاء في موارد الطبيعة الأساسية من ماء وكلأ ونار.

المعادلة الذكية هنا هي كيف تبنى المجتمعات مشاريعها بلا ضرائب؟ الإجابة تكمن في الأوقاف الخيرية والمبادرات الطوعية. الأغنياء والأفراد يتبرعون ويبنون المؤسسات الخدمية بكامل حريتهم وإرادتهم، وهذا الأسلوب يضمن أمرين في غاية الأهمية:

رقابة مجتمعية حقيقية، فالمواطن يرى أين يذهب ماله بنفسه ويتابع المشروع لحظة بلحظة، بدلاً من تسليم أمواله لدولة تدار في غرف مغلقة.

مقاومة الترهل والفساد، فامتلاك الحكومات لسيولة مالية ضخمة يؤدي بشكل آلي إلى غياب الحوكمة، وتبديد الثروات على مخصصات خيالية وشراء ولاءات المطبلين للحفاظ على كراسي الحكم والاستئثار بالسلطة.

هذا الفكر الاقتصادي يتقاطع ببراعة مع أحدث التيارات التي تنادي عالمياً بتقليص صلاحيات الدول ومنع تدخلها في الأسواق والحياة الشخصية، بل إنه يتلاقى مع حركات راديكالية غربية معاصرة مثل حركة قطع التمويل عن الشرطة لمحاصرة نفوذها وتقليل ميزانياتها بهدف منع ظلمها وتغولها.

النظام الإسلامي يقدس حرية الفرد في السفر والتنقل والاستثمار والعمل، ويرفض تماماً محاصرته بالجمارك والمكوس، لدرجة أن بعض الفتاوى الصارمة أسقطت فريضة الحج عن المسلم إذا كانت الطرق تفرض رسوماً وجمارك غير مشروعة، واعتبرت تلك الأموال المأخوذة سحتاً وحراماً لا يجوز إعانة السلطات الظالمة على جبايتها.

عندما نتأمل في تراثنا الإسلامي نجد كنوز تم تحريفها أو حجبها بزعم انها لا تناسب العصر أو تغير الأحوال مع ان النصوص والاجتهادات الفقهية واقوال التابعين والسلف وسيرتهم إذا تأملنها سنجد تطورا وفكرا فوق مانتخيله جميعا .