في الوجدان الجمعي المعاصر، يبدو القرآن نصاً بصوت واحد، بنبرة واحدة، وبقواعد ثابتة لا تقبل التعدد. لكن نظرة سريعة على تاريخ هذا النص وتداوله في القرون الثلاثة الأولى تكشف عن مشهد مختلف تماماً؛ مشهد كان فيه التعدد "رحابة" لا "إرباكاً"، وكانت فيه "القراءات" مرآة لتنوع الألسن العربية وجزءاً أصيلاً من حيوية النص. اليوم، نجد أنفسنا أمام حالة من "النمذجة القسرية" التي حصرت النص في قراءة أو قراءتين، وأحالت البقية إلى رفوف النسيان أو صنفتها تحت بند "الشذوذ".
المر هلكزية والمهمش: كيف قتلت الطباعة "التعدد"؟
تاريخياً، كانت كل جغرافيا إسلامية تحتفي بقراءتها الخاصة. حتى القرن التاسع عشر، كانت مصر مثلاً تقرأ بقراءة "الدوري" أو "ورش"، قبل أن تفرض المركزية العثمانية ومن بعدها ثورة الطباعة نمطاً واحداً ساد العالم الإسلامي. لم يكن هذا التوحيد مدفوعاً بـ "رغبة إلهية" بقدر ما كان ضرورة تقنية وسياسية لضبط "الإنتاج" وتوحيد "الخطاب".
هذا التوحيد أدى بمرور الوقت إلى تحويل القراءات الأخرى من "ثراء نصي" إلى "غرابة صوتية". حين يقرأ اليوم إمام في الحرم بغير القراءة المعتادة، يشعر المصلون بالارتباك، وكأن النص قد تعرض للتحريف، بينما الحقيقة هي أننا نحن من تعرضنا لعملية "تنميط" حصرت ذائقتنا في زاوية واحدة ضيقة.
هجر القرآن.. بمعناه التعددي
يستحضر البعض الآية الكريمة: "وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً"، واليوم يمكننا تأويل هذا الهجر بمعنى جديد: هجر الأوجه التي نزل بها النص. إن حصر القراءات هو في جوهره "حذف" لمساحات واسعة من الاحتمالات الدلالية والصوتية التي أقرها التراث نفسه.
حين نمنع التعدد في المساحات الكبرى كالحرمين، أو حين نهمش القراءات التي كان يقرأ بها التابعون مثل الحسن البصري وغيره، نحن لا "نحمي" النص، بل نحن نخلق حالة من "التشدد النصي" الذي يرفض الاختلاف حتى لو كان هذا الاختلاف مؤسساً في صلب العقيدة والتاريخ.
صحة السند أم تواتره؟ معركة المعايير
الخلاف الجوهري الذي يبرز هنا هو الصراع بين معيار "صحة السند" ومعيار "التواتر". في مدرسة ابن الجزري وغيره، كان الضابط هو صحة السند وموافقة العربية والرسم. لكن التوجهات "الأرثوذكسية" المتأخرة مالت إلى اشتراط "التواتر" كأداة إقصائية لاستبعاد قراءات كانت تُعتبر لقرون جزءاً من النسيج الإيماني.
هذا التحول من "صحة السند" إلى "التواتر الرقمي" (إن جاز التعبير) هو الذي جعل أربع قراءات كبرى، كان السلف يتعبدون بها، توصف اليوم بـ "الشاذة". والسؤال هنا: هل كان الحسن البصري يقرأ "شذوذاً"؟ أم أن معاييرنا الحديثة هي التي أصيبت بالضيق؟
نحو استعادة "المتعة" في النص
بعيداً عن الجدل اللاهوتي، هناك جانب "جمالي" وإنساني مفقود. الاستماع للقرآن بقراءات متعددة، بـ "الإمالة" تارة وبالتحقيق تارة أخرى، يمنح النص أبعاداً موسيقية ودلالية متجددة. إن فتح المجال لهذا التنوع في الإذاعات، في صلوات التراويح، وفي الفضاء العام، هو كسر لحالة "التعنت" التي تغذي الفكر الأحادي.
إن التعددية في القراءات هي دليل قوة لا ضعف، وهي الحصن الذي يمنع تحويل النص إلى "أداة إقصائية". إذا أردنا حقاً أن نحيي النص في العصر الحديث، علينا أولاً أن نحرره من "التنميط" الذي فرضته المؤسسات، ونعيد للجمهور حقه في سماع "أصوات القرآن" بكامل تنوعها التاريخي والجمالي.