العالم من حولنا يترقب حرباً ضروساً على المياة ، الجميع يخشاها خوفاً مما سمع لكن لا أحداً يخشاها لما رأى ، أنا لم أسمع ولم أرى ، بل عايشتها قبل أن تأتي ، لم تكن حرباً بالأسلحة المعتادة بل أشباه حرباً من أجل نقطة مياه!! تجربة رغم بساطتها مقابل الحرب التي لم تأتى إلا أنها جعلتني أخشى أن أعيش الحرب الحقيقة يوماً من أجل نقطة مياه.

بداية الرحلة والمقلب الأكبر

بدايةً رحلت إلى مكان من كثرة المياة به كان يحتوي على شبه مستنقعات إن لم تكن مستنقعات حقاً ، محطة ضخ تكفي لمدينة صغيرة كانت ملكاً لنا فقط ، وقت فراغك لم يكن إلا وقتاً للإستحمام مرتين .. أو أربع مرات يومياً ، كنا نسخر ممن كان يقول لنا بأن المياه سيأتي يوم وتنقطع لذا علينا بأخذ حتياطاتنا منها ، مر يوم ثم الثاني ولم تنقطع المياه حتى انتقلنا من هذا المكان لمكان آخر .

فور نزولنا لهذا المكان أقترح علينا مجموعة من الأشخاص به أن نذهب للإستحمام أو لدورات المياه ، لترطيب أجسامنا من حرارة الجو ، ذهبنا ولم نجد مياه بل لم نجد دورات مياه إطلاقاً في المنطقة كلها !! كان هذا أسوأ مقلب مر على في حياتي حتى الآن ، مقلب استمرت نتائجه تدوم لأكثر من عام .

الضخة

وقتها فقط عرفت معنى كلمة ضخة وياليتني لم أعرفها ، كلمة تتمنى لو لم تضف لقاموس حياتك ، لا يوجد ماء حتى موعد الضخة ، ومتى موعد الضخة؟ لا أحد يعلم موعد دقيق ... أحدهم قال كل ثلاث ساعات وصولاً لآخر قال كل ثلاث أيام ، ليست ثلاث أيام يضخ بها الماء بل فاصل بين كل ضخة وأخرى!! إن كانت ثلاث أيام كثيرة الآن في نظرك ، فأريد أن أخبرك أنها دامت أكثر من ذلك .

يوم بسنة

وقتها فقط كان علينا أخذ حتياطاتنا ، فاليوم الذي ذكره أحدهم سابقاً سيكون عاماً كاملاً وإن لم يقصد ذلك في البداية . كل ما ستفعله أن تبحث عن أي شئ لملأه ، والصدمة لا يوجد شئ .. سوى زجاجات المياه المعبأة بما يسمى مياه معدنية والتي محونا معناها لاحقاً ، زجاجات المياه الغازية نفسها الصغيرة منها لم تسلم من ذلك . أي شئ يقع تحت يدك لن تتخلى عنه أبداً فهو بمثابة العثور على كنز !! أظن أنه لو كان هناك مكب للقمامة قريب منا لتم فرزه بحثاً عن العدد الأكبر من زجاجات المياه حتى وإن لم نكن نحتاج الكمية كلها .

يوم الضخة الكبرى

الغالبية وليس الجميع أصبحوا يمتلكون زجاجات مياه الآن ، فقط أسمها كذلك لكنها لا تحتوي على مياه !! لذا كان على الجميع الإنتظار ليوم الضخة الأكبر ، جاءنا الإنذار الأول بتجهيز العتاد من أجل الغنيمة ، الجميع يترقب على أحر من الجمر ، ها هو صوت شخير الصنبور -كما يسموه- يعلن عن خروج الهواء بالمواسير ، وها هى اللحظة المنتظرة أول نقطة مياه ، هجوووووم ، لا نظام لا نظام إطلاقاً الجميع يتقاتل من أجل أن يفوز بنقطة المياه الأولى .

نقطة المياه الثانية أو الثالثة تقريباً كانت جرساً من أجل التنظيم ، تشاور الجميع وخرجنا بنظام جديد قبيل الحرب وهو ما يسمى بالنظام .. كانت نقاط المياه الأولى التي تخرج تشبه دموع أحدهم الذي أسقطها من كثرة الضحك علينا ، فلم نرى سوى نقاط وإن كانت تتسارع أحياناً وأحياناً أخرى تتباطئ ، كان عليك حقاً أن تجمع النقاط من أجل ملء زجاجة واحدة ، زجاجة واحدة لترجع في آخر الصف لتملأ زجاجة أخرى إن كان حظك يقف بجوارك .

مرت ثلاث ساعات تقريباً وانقطعت نقاط المياه ، الأعداء وقت الماء منهم من أصبح صديق لعدوه ومنهم من مَن على الأخر ببضع قطرات . زجاجة مياه لا تعلم كيف ستسخدمها ، إهى للشرب أم للإغتسال أم للإستحمام .. لا نعلم فيما ستسخدمها أنت حر في ذلك ، ما نتفق عليه هنا أنها لن تكفيك ليوم كامل فقط .. وليس لثلاث أيام .

الصدمة الأخيرة

الصدمة التي لم نكن لنتحملها بعد كل هذا ، هى أن المياه كانت غير صالحة للشرب لكثرة الأملاح التي تحتويها ، لذا كان على الجميع شراء الكثير والكثير من زجاجات المياه المعدنية ، حتى كادت أموال الجميع أن تختفي من أجل شراء المياه ، المشكلة لاحقاً لم تكن في شراء مياه للشرب فقط بل من أجل أي شئ آخر ، لذا عند مرورك في المنطقة ستجد محاولات كثيرة للمقايضة (زجاجة مياه معدنية - صالحة للشرب ومغلفة - مقابل زجاجة مياه من الضخة ) أو زجاجتين على حسب ما تنتهي به المقايضة .

توابع

بعدها لاحظنا إنتشار سرقة زجاجات المياه ، ليست المملؤة فقط بل الفارغة ، لذا لم يكن بالغريب عليك أن تجد شخصاً يتسول المياه ، ربما لقراءتك الكلمة للمرة الأولى تظنها غير صحيحة ، لكن تلك هى الحقيقة بأي معنى لغوي يريحك .

بعد إقتراب أموال الجميع على النفاذ ، أصبحت كل مجموعة تتشارك في شراء زجاجة مياه ، حتى أنتهت المياة المعدنية من المنطقة ، فأصبحنا نتشارك في شراء مياه غازية بديلاً عن مياه الشرب ، حتى إنتهت هى الأخرى ، لذا لم يكن بالغريب عليك أن ترى الجميع تظهر عليه آثار الأملاح التي يتناولها في مياه الصرف مياه الضخة أقصد .

مصدر جديد

هكذا استمرينا حتى عثرنا على مصدر آخر للمياه ، لم يكن مشروعاً ولذلك كان ينتهي على آخره ، فكل الممنوع مرغوب ، لذلك كثرة سرقة العبوات الفارغة وكل شئ فارغ من أجل الإحتفاظ بأكبر قدر من المياه ، حتى أن الجميع من كثرة المياه غير المشروعة والمعلومة المصدر أصبحوا يستحمون كل يومين إن لم يكن يومياً في أي مكان وعلى أي وضع ، حتى أني رأيت أحدهم يوماً مجرداً من الثياب كاملة حتى لا تفوته نقطة مياه من أجل الإستحمام ، وكأنه يأخذ حقه الذي لم ينله في الماضي !!

هكذا بقينا حتى انتقلنا لمكان آخر ، كان الحال شبيه بسابقه لكن ليس بهذا السوء ، فقد كانت هناك ضخة منتظمة للمياه ، وكانت هناك الكثير من الأوعية التي بإستطاعتنا التخزين بها للأيام القادمة .