كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك، أعاده الله عليكم باليُمن والبركات.
لن أجعل هذه الرسالة تطول، لكنني أعتبرها من أكثر المواضيع التي لا تحظى بنقاش كافٍ هذه الأيام. دعونا نتحاور بصراحة حول "الجانب المظلم للأهداف الكبيرة". نحن نعيش في عصر يقدس الإنجاز الضخم، ولكننا نغفل عن "السعادة والرضا" في خضم هذا السعي.
إن كنتَ شخصاً طموحاً -وأنا على يقين أن معظم قرائي طموحون- فربما اتبعتَ النموذج التقليدي التالي:
- ابدأ من النقطة (أ).
- ضع هدفاً طموحاً للوصول إلى النقطة (ب).
- اعمل بجد لتحقيق هذا الهدف الكبير.
المشكلة، كما أراها الآن، تكمن في ما يحدث بعد ذلك.. حيث تعمل وتسعى نحو هدفك الكبير، ثم تفشل! والمفارقة هنا أن معظم الإجابات التي تصلني حول أسباب الفشل هي إجابات خاطئة تماماً. لماذا؟ لأنك تعتقد أنك أذكى ممن حولك، وتسعى وراء حلول معقدة وغير بديهية، معتقداً أن "السر" يكمن في التعقيد، بينما الحقيقة هي أن النجاح غالباً ما يُدفن تحت ركام الحلول البسيطة التي نتجاهلها.
الدرس الأول: استنفد البساطة قبل الغوص في التعقيد
إذا كنت ترغب في تحقيق هدف طموح، اكتب هدفك بوضوح، ثم اسأل نفسك: "كيف أضمن لنفسي الفشل؟ وكيف أتجنب ذلك؟".
مثال 1: "أريد أن أصبح أكثر سعادة في عام 2026"
سيبدأ معظم الناس بتطبيق عادات مؤلمة، أو البحث عن كتب وفيديوهات معقدة للبحث عن "معنى الحياة"، أو الاستعانة بخبراء للتنظير في فلسفة الوجود! ومع ذلك، لا يلاحظ هذا الشخص أن حياته في عام 2025 كانت مليئة بـ:
- نوم سيء.
- نظام غذائي يفتقر للقيم الجوهرية.
- إهمال تام للنشاط البدني.
- وظيفة تستنزف طاقته دون مقابل معنوي.
- إحاطة النفس بأشخاص ناقدين أو محبطين.
إن هذه العوامل هي السبب الجذري في كل ما يعيشه. ولا يدرك أن أفكاراً بسيطة مثل (نوم منتظم، نظام غذائي متوازن، رياضة يومية، والاقتراب من الأشخاص الإيجابيين) قد تغير حياته 180 درجة. القاعدة هنا: قبل النظر في أي حلول معقدة، تأكد من أنك قد استنفدت جميع الحلول البسيطة إلى أقصى حد.
مثال 2: "أريد أن أكتب بشكل إبداعي لتسويق أفكاري"
سيبدأ أغلب المبتدئين بتعلم عادات "المؤثرين" السطحية، مثل شرب قهوة معينة أو البحث عن دفتر يوميات فاخر، ظناً منهم أن هذه هي مفاتيح الإبداع. ولا يدري أنه أسوأ كاتب في مجاله ببساطة لأنه:
- لا يكتب كل يوم.
- يكتب بشكل غير متسق.
- يكتب عن أشياء يجدها مملة لا تثير شغفه.
الحلول بسيطة وموجودة أمام عينيه: اكتب ولو على منديل، اكتب بشكل متسق، واكتب عن الأشياء التي تثير حماسك الحقيقي. لا تنتقل إلى أي تقنيات كتابة معقدة حتى تتقن هذه الأساسيات الثلاث.
قوة الصوت الخفي: لماذا نقاوم البساطة؟
قد يقول بعضكم: "فعلتُ ذلك يا حسن وشعرتُ بشعور رائع في البداية، لكن ما حدث بعد ذلك فاجأني!". هناك قوة خفية تشدك إلى الوراء.. صوت يهمس لك ألّا تجرب البساطة، فربما تصبح "عادياً" مثل الآخرين. صوت يدعوك لتأجيل الكتابة لأنك "لست مستعداً"، أو يهمس: "لستَ كفؤاً بما يكفي لتجربة أشياء جديدة".
هذا الصوت لا يصمت أبداً، خاصة في بدايات الطريق. والحقيقة القاسية هي أنك لن تتمكن من إسكاته كلياً، لكن بوسعك أن تتعلم كيف تقاومه وتمضي قدماً. فكل ما يستحق أن يُسمّى "ذا معنى" يقف خلف الباب الذي يحرسه ذلك الصوت العنيد. ولن يكون المرور منه ممتعاً، لكنّه ضروري.
الحياة صعبة.. لكنك تختار "نوع" الصعوبة
الحياة – يا صديقي – صعبة في كل اتجاهاتها، لكن الجميل فيها أنك تملك حق اختيار "أي نوع من الصعوبة" تعيش:
- العمل في مهنة تحبها: صعب لأنك ستحتاج إلى وعي عميق بذاتك وقدرة على تحمل المخاطر. لكن الأصعب هو أن تقضي عمرك تعمل فيما تكره، وتخسر نفسك كل يوم دون أن تدري!
- بناء الحرية المالية: صعب لأنك ستتجرع مرارة تأجيل المتعة الحاضرة. لكن الأصعب هو أن تعيش عبداً لراتب لا يكفي، وخطة لا تنقذك!
- تنمية العقل: صعب لأنه يستوجب الجلوس مع أفكارك ومواجهة الفراغ ومحاربة الضجيج. لكن الأصعب أن ترى عقلك يتشتت، وتصبح عاجزاً عن التركيز!
- بناء أسرة متينة: صعب لأنه يتطلب أن تخلع ستارك وتسمح لمن حولك بمعرفة حقيقتك وحبك لهم. لكن الأصعب أن تبقى ذا كاريزما باردة مع الجميع، وألا تعرف طعم القرب والصدق أبدًا!
- بناء جسد سليم: صعب لأنك ستتخلى عن ملذات الطعام والراحة. لكن الأصعب أن ترى جسدك ينهار في الكِبر وأنت عاجز عن إنقاذه!
نحن نخوض حرباً يومية بين لذّة مؤقتة، ومعنى دائم. وغالباً ما يكون من الأسهل (على المدى البعيد) أن نسمح للـ "معنى الدائم" أن ينتصر.
تذكّر هذه هي معركة حياتك، وأنت وحدك من يقرر مصيرها. اليوم، وغداً، وكل يوم... أتمنى أن تتفوق على ذلك الصوت في رأسك، وأن تتفوق على نفسك... لأجل نفسك.