من بداية حياتي الى سن 14 عام، نشأت وسط عائلة امي البدوية، وسط مجتمع بدوي بالكامل في محافظة مطروح، غير انني كنت متردد بينهم وبين عائلة والدي فاستطعت ان اتاقلم واتعلم ثقافات متعددة بين ثقافة الاسكندرية وطباعهم، وثقافة البدو وطباعهم، لهم اسلوبهم المختلف تماما في الحياة وموارد الرزق وطرق الزواج والتقاليد والاعراف، وحتى الانتماء الثقافي يرون انهم ينتمون ل ليبيا اكثر من مصر، كانت لي معرفه ايضا على بعض طرقهم في التهريب بين مصر وليبيا، هناك شباب لا تجد فرصه للعمل الى فيه!، اسألني بحرية عن كل ما يخص هذا المجتمع واعرافه وتقاليده، ولنستمتع معا بالنقاش فيه وفي اسباب قناعاتهم وافكارهم.
عشت منذ بداية حياتي مع بدو مطروح، اسألني في أي شئ يخص عاداتهم وحياتهم
التعليقات
تجربة شيقة، ما سبب اعتمادها أنهم ينتمون للبيا وليس مصر رغم أنهم مقيمين بها؟
وما الذي اكتسبته كصفات جيدة وسيئة من العيش معهم؟
تنحدر جميع عائلات البدو من سكان مطروح لبيوت ليبية، جميعهم من نسل قبائل ( اولاد علي، والعشيبات) اكثرهم من اولاد علي الاحمر واولاد علي الابيض، وهي عائلات هاجرت واستوطنت هذه الصحراء منذ مئات السنين قبل تقسيم الحدود بين مصر وليبيا، هم لهجتهم ليبية وحياتهم ليبية وحتى انهم يتابعون الاخبار الليبية ولا يكترثون بالاخبار المصرية، كنت اتعجب بشدة من اهتمامهم بالاخبار الليبية ومعرفتهم بها اكثر من مصر
افضل صفاتهم هي احترام الكبير، عندهم الكبير مقدس، اذا كنت تبلغ من العمر 60 عاما، وأمرك شيخ العائلة وكبيرها بأمر فعليك الامتثال والطاعة المطلقة دون تعقيب، يفتخرون جدا بعاداتهم ويحترمون العادات والتقاليد بشكل جدا كبير، اراهم على الفطرة تماما، لم تصل لهم اي مشكلة من مشاكل التنولوجيا والتقدم وهم تجار بارعون لهم اسلوبهم الخاص في التجاره
الصفات السيئة فيهم عدم اهتمامهم بالتعليم مطلقا، و ايضا التعصب القبلي وينظرون للاخرين في المجتمع بشكل طبقي، او بمعنى اخر بنظرة استعلاء، يرون انفسهم مميزين عن باقي الاعراق المصرية
افضل صفاتهم هي احترام الكبير، عندهم الكبير مقدس، اذا كنت تبلغ من العمر 60 عاما، وأمرك شيخ العائلة وكبيرها بأمر فعليك الامتثال والطاعة المطلقة دون تعقيب
هذه الصفة رغم ايجابيتها وكونها في اغلب الاحيان محمودة كما نص الحديث النبوي ( يوقر كبيرنا..)
لكن لدي سؤال، هل مثل الارياف عندنا.. يتم استغلالها احيانا بغير ما يجب ان تكون عليه؟
يعني مثلا عندنا في مسجد الحي او القرية، يصلي بنا شيخ عجوز، وعندما يغيب ينوبه رجل كبير اخر.. كلاهما نكن لهما كامل الاحترام، غير أنهما كثيرا ما يخطئان ويكسران القرآن تكسيرا وهذا يحز في الخاطر. يوجد عندنا عدّة شباب يجيدون قراءة القرآن قراءة صحيحة، ذات مرة تقدم أحدهم وهو متخرج من كلية الشريعة وكانت قراءته رائعة وصحيحة، لكن بعدها بايام اصبح لا يتقدم، لا أدري ما الذي سمعه بالضبط ولكن.. لا أحد يجرأ على التقدم وإلا كما قلت انت، في نظرهم سيظهر صعلوكا مغرورا مرائيا لا يحترم الكبار.
لا، لرجل الدين عندهم احترام لا يوصف، وهم بفطرتهم كلهم متدينون، لكن حتى الشباب الذين يفسدون مثلا يدمنون المخدرات وخلافه، تراهم لا تتغير فيهم عاداتهم من احترام وتوقير الكبير والامتثال له، وقد يدخن الابن ويصل لعمر ال50 سنة وهو يدخل، لكن اذا حضر ابوه العجوز لا يجرؤ على ان يمسك سجاره في يده
ذكرتني بفيلم خليج نعمة كان به إدوارد من البدو وكان لا بد أن يتزوج من ابنة عمه، ولا مجال للخروج عن هذه القاعدة، فهل هذا هو الواقع؟
وهل ما زالوا حتى الآن يرتدون الزي الذي نراه بالأفلام، والفتيات لا تتعلم وتكون في خدمة الرجال فقط؟
لا بد أن يتزوج من ابنة عمه، ولا مجال للخروج عن هذه القاعدة، فهل هذا هو الواقع؟
لا، لا يتم اجبار اي فرد على الزواج من افراد العائلة، لكن اذا قرر اي فرد ان يتزوج من العائلة فله الاولوية والتسهيلات
وهل ما زالوا حتى الآن يرتدون الزي الذي نراه بالأفلام
لهم زي خاص بهم منذ مئات السنين لا يتغير ولا يتطور، وهم يفتخرون به، بل وينظرون لمن لا يرتديه ويرتدي زي عصري مثل البناطيل والتيشرت وهكذا ينظرون له بنظرة من خرج من جلده واستعر من اهله، لازلت اتذكر كيف خاب ظنهم بي عندما تمدنت وخلعت زيهم هههه
والفتيات لا تتعلم وتكون في خدمة الرجال فقط؟
نعم لا تتعلم الفتيات ابدا، فقط الابتدائية، وربما تكمل للاعدادية لكن هذا نادر، بل وحتى الاولاد غالبا يكتفون بدبلوم تجارة او صنايع، من النادر رؤية شاب في ثانوي عام مثلا ههه، البنات لا يتم رؤيتهم في الشوارع مطلقا، الى في يوم الجمعة لانه يوم التسوق هههه
نعم لا تتعلم الفتيات ابدا، فقط الابتدائية، وربما تكمل للاعدادية لكن هذا نادر
لكن ماهي نظرتهم للفتاة؟ هل يحترمونها ويقدرون دورها؟ يعني أن أغلب المجتمعات التي تفعل ءلك بالبنت وتعدها لخدمة الرجل فقط قد تقلل منها، وهل يرون أن للذكر شأن وقيمة أكثر من البنت كما يفعل بعض الصعايدة؟ (بالنسبة أنك ذكرت ان تحفظهم أشد من الصعايدة)
نعم تحفظهم اكثر من الصعايدة، لكن لم اقصد ان تحفظهم هو تعصبهم، هم ليسوا بمتعصبين، اذا كنتي تريدين الدراسة فسيتكفلوا بدراستك، لكن العقل الخاص بالمرأة عندهم لا يعي قيمة الدراسه ولا يراها هدفا اصلا، عقلهم مبرمج على حياتهم، ايضا هم يحترمون نسائهم ويحبونهم، حسنا الرجال كلهم سواء صعايدة او بدو او مدنيين نحن كلنا دائما نكون اسرى لزوجاتنا حتى ولو تظاهرنا بعكس ذلك فانتم لكم طريقتكم في التلاعب بالرجال وحكمهم 😅، لكن المرأة عندهم لها حدود في التدخل، فلا تتدخل في عمل الرجال مثلا، ولا في نقاشهم، ولا في تجارتهم، ولا في تربيتهم لابنائهم، نعم الام تربي لكن الاب اذا حكم حكما ليس لها ان تناقشه امام ابناءه لانه يرى ان في هذا تعدي على سلطته كرجل او اسقاط لهيبته امام ابناءه، وهكذا، النساء الكبار جدا عندهم تجدين عندها حكمة جدا عميقة، هي تعي الحياة وتعي مشاكلها وحلولها ليست سطحية ولا جاهلة، لكنها تلتزم بحدودها، هم حياتهم قاسية ايضا ولهم طريقتهم في تسييرها
هممم سمعت كثيرا عن البدو.. هل هم محافظين ؟ وماهي درجة المحافظة اقصد هل هم متطرفين في الموضوع او يجيدون دمج بين المحافظة والانفتاح والتسامح؟
لا يوجد شئ اسمه انفتاح هناك ابدا، محافظين لاقصى درجة، ويحترمون عاداتهم ويلتزمون بها حتى اكثر من الصعايدة، ليسوا دمويين، لكنهم كتلة واحدة، اذا تضرر فرد ثارت له قبيلة من الاف الافراد، لهم قانون اسمه ( العوايد) يحفظونه دون قراءته فقد تربوا عليه، العوايد هي هذه العادات الذي من يخرج منها فقد خرج من الرجولة، لم يعد رجلا في نظرهم!، لذلك كلمة شيخ العائلة تسري على جميع كبار العائلة ولو كانوا من كانوا، فاذا حدث نزاع انحل عند الكبير منهم ولا يجادل في أمره اثنان، هم محافظين لهذه الدرجة
كلامك عن (العوايد) او مايسمى بالعرف اظن مثير جداً للاهتمام، خاصة فكرة أن الخارج عنها ليس رجلاً.
سؤالي: في ظل غياب المحاكم الرسمية والاعتماد على كبير العائلة، كيف يضمنون عدم وقوع ظلم؟ أقصد، هل حدث أن انحاز الشيخ لفرده ضد صاحب حق من عائلة أخرى؟ وكيف يُحل النزاع بين 'قبيلتين' إذا اختلف كبارهما؟
وايضا يبدو انه كل شيء يعتمد على الرجل ... الايوجد يعني للمرأة دور في التنظيم ؟ وهل حياة المرأة لديهم باختيارها الخاص ام اختيار عائلي بالكامل؟
في ظل غياب المحاكم الرسمية والاعتماد على كبير العائلة، كيف يضمنون عدم وقوعظلم؟ أقصد، هل حدث أن انحاز الشيخ لفرده ضد صاحب حق من عائلة أخرى؟ وكيف يُحل النزاع بين 'قبيلتين' إذا اختلف كبارهما؟
العوايد تضمن بدقة حقوق كل طرف على الاخر، هي اشبه بدستور اجتماعي بين الجميع، عرف عام يضمن الحقوق لكل افراد المجتمع، نعم لكل عائلة كبيرها او شيخها، لكن هناك ايضا شيوخ وكبار المدينة بحيالها، اذا اختلف شيوخ العائلات في جلساتهم العرفية يحتكمون لعمدة المدينة او احد كبار شيوخ المدينة وغالبا ما يكون عضوا في مجلس الشعب او كان عضوا في السابق ههه، او عمدة ورث العمودية ابا عن جد، والجميع يمتثل، في النهاية للعرف، من المستحيل ان تجد عائلة تخرج من العرف، اذا خرج احد افراد العائلة من العرف العام يعدونه شاذا وقد يصل الامر لمقاطعته والتبرأ منه، لا ابالغ هذا هو الواقع هناك.
الايوجد يعني للمرأة دور في التنظيم ؟ وهل حياة المرأة لديهم باختيارها الخاص ام اختيار عائلي بالكامل؟
المرأة دورها الوحيد ومساحتها في الاختيار الوحيدة هي قائمة الطعام اليومية، وتدبير شئون المنزل وادارته، والمنزل عندهم ليس كالمدن والقرى عندكم، المنزل عندهم هو مؤسسة كبيره جدا هههه، مثلا، جدي من عائلة ( السناقرة) وجدتي من عائلة ( الجريظات)، ساخبرك بالنظام الخاص بعائلة الجريظات مثلا، هناك بيت لكل فرع من فروع العائلة، هذا البيت نستطيع ان نقول انه قصر، او فيلا، وبجواره اكثر من منزل مبنيين حوله، ومحاطين جميعا بسور، هناك ساحة تحيط بالقصر والبيوت التي بجواره لكن داخل نفس السور، هذه الساحة فيها المطبخ المركزي، والذي يطبخون فيه يوميا طبخة واحدة لجميع افراد العائلة، والعائلة هنا اعني بها جميع الاسر الساكنة في كل هذه البيوت، والقصر بحد ذاته مكون من 3 طوابق، كل طابق فيه اكثر من جناح، كل جناح نستطيع ان نعتبره شقة كاملة لأسرة كاملة، والدور الارضي به مربوعة كبيره جدا يجتمع الجميع فيها، في النهايه اكبر النساء عمرا، (الجدة) هي التي تدير النساء في كل هذه العائلة، فتوزع عليهم الادوار يوميا، فتجعل 3 من نساء العائلة مسؤولون عن النضافة، و3 للطبخ، و3 لكذا، بمعنى اذا كانت هناك اكثر من 20 زوجة وبنت في هذه البيوت المجتمعة مثلا، فكل واحدة منهم تعلم دورها ومهامها، وتعلم انها يوم السبت والثلاثاء والجمعة ستشارك في اعداد الطعام في الغداء والعشاء لسائر البيوت في المطبخ المركزي، وهكذا، هذا النظام يبهرني حقا، هو اجتماعي جدا جدا، لكن ما يحزنني ان النساء هناك لا ترث، بعض القبائل نظامها يمنع الميراث للنساء لكن بشروط ومميزات ايضا يعطونها للمرأة، والبعض الاخر يقبل الميراث لكن بشروط ايضا، فلا ترث مثلا في بيت او ارض القبيلة التي يعيش الجميع فيها، لانها اذا تزوجت من قبيلة اخرى وخرجت من بيت العائلة لا يجوز لها ان تبيع نصيبها في بيت القبيلة لاغراب من قبيلة اخرى، وهكذا
وصفك لـ البيت المؤسسة ونظام المطبخ المركزي مذهل، كأنه نموذج لشركة تدار عائلياً. نظام الجدة في توزيع المهام يظهر أن المرأة هناك تملك سلطة إدارية قوية داخل الأسوار، حتى لو كانت مسلوبة الاختيار خارجها.
لكن لفت نظري موضوع الميراث؛ ألا تشعر أن حرمان المرأة من الميراث (لحماية أرض القبيلة) قد يجعلها ضعيفة مادياً إذا فقدت عائلتها أو زوجها؟ وكيف يعوضها (العرف) عن هذا النقص المالي لضمان كرامتها؟
اعطيك مثال، جدتي ام امي، تطلقت من جدي في شبابها بعدما انجبت منه 4 اولاد، وجدتي هذه اخوها هو شيخ وكبير القبيلة بالكامل، واخوتها ( اخوال امي) هم كبار القبيلة وشيوخها، جميع الممتلكات والاراضي تحت ادارتهم، عندما توزع الإرث طبعا كالعادة لم تأخذ جدتي اي شئ، لكن هم تكفلوا بابنائها كفالة كاملة، وبها طبعا، وزوجوا بناتها كلهم، وكان لديها ابن واحد ذكر، تكفلوا بدراسته فكان الوحيد الذي حصل على نصيب من التعليم وتخرج من كلية الحقوق، ثم تكفلوا بمصاريف زواجه بالكامل، ولديهم اصلا نظام في العائلة، وهو أن كبراء وشيوخ العائلة هم من يزوجوا شبابها، فيصنعوا كل عامين او ثلاثة عرسا كبيرا يتزوج فيه 3 شبان من شباب العائلة دفعة واحدة، هذا نظام عائلتنا ولكل عائلة نظامها ايضا، لكن في النهايه هم تكفلوا بكل متطلبات ابناء اختهم، نعم انا معك هو نظام ظالم، لكن هذا هو الحال عندهم، انا ايضا رغم انني امي تزوجت من الاسكندرية ولم تتزوج من العائلة، ثم ابي توفى واصبحت يتيما انا واخوتي، اخوال امي اعطوا امي ارض 500 متر، لتكون سندا لي ولأخي عندما نريد ان نبني او نتزوج، كان هذا تفكيرهم، رغم انني يعتبر من عائلة اخرى وكل ما يربطني بهم هو انهم اخوال امي وليسوا اخوالي مثلا، لكن هو هذا نظامهم، نظام اشتراكي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هم بالنسبه لهم ميراث النساء يفتت العائلة ويفتت ممتلكات العائلة وينقل الممتلكات لعائلات اخرى، وهذا ما لا يسمحون به اطلاقا
هذا النظام (الاشتراكي) الذي تصفه يفسر تماماً لماذا يظلون أقوياء وكتلة واحدة. هم ضحوا بالحقوق القانونية الفردية (الميراث) مقابل 'شبكة أمان' اجتماعية لا تموت.
لكن سؤالي هنا من وجهة نظر قانونية؛ هذا النظام يعتمد كلياً على عدالة وشرف كبار العائلة. ماذا يحدث لو كان الكبير شخصاً ظالماً أو طماعاً؟ هل هناك آلية اعتراض للشخص المظلوم داخل القبيلة، أم أن كلمة الشيخ مقدسة حتى لو أخطأ؟
كبار العائلة هم اجدادنا، واعمام اجدادنا، واخوال اجدادنا، هم في النهايه من العائلة، وابنائهم هم كبارنا، في النهايه الامر أشبه بخلية نحل، تعمل كلها لتنموا معا، ثم نعم هم يحافظون على ميراث الاجداد، لكن الرجال ترث الرجال، ففي النهايه الميراث يظل ساريا في العائلة وليس المتحكم به فرد واحد، ولكل من العائلة وظيفته في ممتلكاتها، ومنهم من ينشئ عملا جديدا خاصا به، سواء في الزراعة او التجارة او بيع الاراضي او اساليب التجاره المختلفه عندهم، ليس عندهم ما يجعلهم يطمعون في بعضهم، لانهم اصلا يعيشون مع بعضهم ويأكلون من نفس الميزانية في المنزل، وليس هناك منهم من يحمل عبء زواج ابناءه او الانفاق عليهم او كذا، لان حتى الزواج نظامه اشتراكي والكبار هم من يتحملونه في النهايه، ثم عاداتهم وتقاليدهم الدينية والعرفية جدا متأصله فيهم، انت اذا كان عندك مشكلة مع احد افراد العائلة في اموال او في ارض وجلست جلسة عرفية وثبت لك حقك حتى لو لم يكن معك اي مستند ابدا، ستاخذ حقك كاملا قبل ان تعود لمنزلك، ولن ينتظروا المديون منهم ليسدد، سيسددوا بانفسهم ما دمت غريبا عنهم، ثم يستقطعوا ما سددوه من الفرد الذي تسبب في المشكة، ولا يمكنه التنصل من واجبه، لان التنصل منه معناه انه سيترك عائلته كلها وحياته كلها
إجابتك الأخيرة وضعت النقاط على الحروف؛ يبدو أن سر صمود هذا النظام هو 'تذويب الأنا' في 'النحن'. فكرة أن العائلة تسدد عن المخطئ فوراً هي قمة التكافل وقمة الضغط الاجتماعي في نفس الوقت.
سؤالي الأخير لك كشخص عاش التجربتين (البدوية والسكندرية): في ظل هذا النظام الذي يوفر لك السكن والزواج والمال والأمان مقابل السمع والطاعة للكبار والعرف، هل يشعر الشاب البدوي بـ 'فرديته'؟ أقصد، هل هناك مساحة ليكون للإنسان (طموح شخصي) أو (رأي مختلف) خارج إطار القبيلة؟ أم أن ثمن هذا الأمان المطلق هو التخلي التام عن الاستقلال الفردي؟
هو لا يرى نفسه مقيدا اصلا، هو طموحاته الشخصيه كلها لا تخرج عن هذا الاطار، مثلا يريد ان يكون ذا نفوذ وسطلة، فيشارك في المجالس العرفية او يسلك مسار التعليم للوصول الى اي منصب ولو بسيط، او مثلا طموحه تجاري بحت، فيكون تركيزه منصبا في التجارة او في مجال العمل الذي يعمل فيه، او لا طموح له، فقط يعيش الحياة ويقوم بما عليه من اعمال ومهام للحفاظ على اعمال والده، ويعيش هكذا كأداة او كموظف دائم في عمل والده او عمه او او، وهذا بالنسبه له ليس فيه تقليلا منه، تراه يمرح ويسهر ويسافر في الصحراء اياما للترفيه كعادتهم وهكذا، ليس لديهم هذا السعي الدائم والطموح الشخصي الكبير جدا الذي لدينا، وليست لديهم هذه المنافسة الكبيرة التي لدينا
تحليلك ياأخي يوسف هو بيت القصيد. لقد لخصت المسألة في فكرة عميقة: (انسجام الطموح مع الإطار).
يبدو أن النظام البدوي نجح في تحقيق معادلة صعبة؛ وهي منح الفرد سلاماً داخلياً عبر تذويب الصراع بين طموحه وبين واقعه. الشاب هناك لا يشعر بالقيد لأن سقفه هو سقف القبيلة، وهذا يعكس ذكاءً اجتماعياً قادراً على احتواء القلق البشري وتوجيهه لخدمة الجماعة.
سيبقى هذا النموذج دائماً مثيراً للتأمل: هل السعادة في الحرية الفردية المطلقة بما تحمله من تعب ومنافسة، أم في 'الانتماء المطلق' بما يحمله من أمان وسكينة؟ ام في الجمع بينهم ؟
ويعيش هكذا كأداة او كموظف دائم في عمل والده او عمه او او، وهذا بالنسبه له ليس فيه تقليلا منه، تراه يمرح ويسهر ويسافر في الصحراء اياما للترفيه كعادتهم وهكذا، ليس لديهم هذا السعي الدائم والطموح الشخصي الكبير جدا الذي لدينا
لابد أنها حياة سعيدة من جهة حيث يعرف كل فرد دوره بالظبط ولا يدخل على تفكيره ارتباك بخصوص المستقبل بل يعرف واجبه ومسؤولياته وفي المقابل يعيش الحاضر بلحظاته كاملة، ومن جهة أخرى البعض يولد ولديه طموح عالي يتدفق في تفكيره مثل ذلك قد يضيق بحياة تخلو من المجهول والطموح للثراء أو للسلطة أو التفوق على الأقران...لأن دوره وحدوده مرسومان مسبقاً.
إذا خرج احد افراد العائلة من العرف العام يعدونه شاذا وقد يصل الامر لمقاطعته والتبرأ منه، لا ابالغ هذا هو الواقع هناك.
عجيب أن يحدث هذا في القرن الحادي و العشرين يا يوسف! هذه أصالة متجذرة وهي تشبه في جذورها تلك ما كان في واقع الجزيرة العربية في الجاهلية. فحتى كلمة شاذ هذه واردة عندهم وموجودة في القاموس الجاهلي وكلنا نسمع عمن عُرفوا بشذاذ الآفاق وهم الصعاليك الذين يخرجون عن مألوف القبيلة وعاداتها أمثال السليك ابن السلكة و عروة بن الورد وغيرهم من صعاليك وفتاك العرب. فالقبيلة وقتذاك كانت تقاطعه وتتبرأ منه وتهدر حياته ولا تكون ملزمة بالدافع عنه او المطالبة بالثأر له. ولكن عندي سؤال لك: طوال عمري أسمع أن البدو عمومَا لا يلتحقون بالجيش المصري أو لا يخدمون فيه! هل هذا صحيح؟! وإذا صح ذلك فلماذا برأيك؟!
يا صديقي العقل البدوي معقد جدا، لا استطيع وصفه لك هو مبهر جدا، ضع في ايديهم سلاح وسطلة ولن يبقى الحكم في ايدي احدا من مصر ابدا بعد هذا العهد، هم يخدمون في الجيش، لكن من يخدمون في الجيش بشكل كامل هم المجنسين ( نسميهم البدو الفلاحين) لاخطلاطهم بسكان محافظة البحيرة وهجرهم للنظام القبلي في محافظة مطروح، او مثلا من غير المجنسين قد يخدم هؤلاء الذين هم من قبائل او بيوت ضعيفه وصغيره وليس فيها تكتل كبير، ولا يخدمون الى في اسلحة بعيده ومهمشة، اما العائلات الكبيره فيذهبون لسلاح الشرطة مثلا، او لا يخدمون اصلا، الفكرة لكن مستحيل تجد احدا من اي قبيلة يدخل كلية عسكرية او يعمل في الجيش عملا دائما يتيح له الترقي في الرتب في المستقبل، لان النظام القبلي البدوي يجعل السلطة المطلقة للقبيلة، فاذا حصلت احد القبائل على مناصب عسكرية في الدولة وارادوا انشاء انقلاب مثلا او الوصول للحكم، فلا اعدك باستقرار ابدا، سيكون الولاء للقبيلة لا للوطن، هذا تحليلي الشخصي الذي اراه، ايضا البدو كثير منهم يعمل في التهريب بين مصر وليبيا، ويعرفون خبايا الصحراء وثغراتها، ولذلك قد يخشى الجيش منهم من توسع السلطة في ايديهم خصوصا لروابطهم التي تجمعهم والولاء المطلق يكون لها
شكرًا على مشاركتك هذه التجربة الرائعة يوسف لدي فضول لبعض الأسئلة التي أتمنى أن تخبرني بها
كيف يرون الضيافة والعلاقات مع الغرباء وهل هناك قواعد صارمة يجب الالتزام بها أم أن الضيافة مرنة حسب الظروف؟ كيف تُتخذ القرارات داخل العائلة أو القبيلة هل بالأغلبية أم يسيطر فيها كبار السن فقط؟ وبالنسبة للمعيشة اليومية كيف يتعاملون مع التكنولوجيا والتغيير العصري؟
للضيف والمستجير عندهم معاملة خاصة، في كل بيت عندهم مكان مخصص لمبيت الضيوف، يهتمون بهذا الجانب جدا فهم عندهم اساسيات وواجبات الدين المعروفة مقدسه جدا ولا خروج عليها ابدا، اما العلاقات مع الغرباء بشكل عام فتنبني على المصلحة وفقط، واذا كان بين الغريب وبين احد البدو خلاف فجميع البدو ضد الغريب ولو كان محقا، الغريب لا مكان له هناك الى اذا كان هناك تبادل مصالح فقط، او اذا كان مستجير باحدهم، اما القرارات فلا افهم اي قرارات؟ السياسية مثلا فكبراء العائلة هم يقررون معا من سينتخبون، وعادتا ما تكون هناك اتفاقات بين العائلات على اسماء الناجحين في مجلس الشعب مثلا، واحيانا يكون الامر وفق دور معروف، هذه الدورة لهذه العائلة والقادمة للاخرى وهكذا، اما للمعيشة اليومية، لديهم الهواتف وهكذا، لكن لا يتعاملون مع التكنولوجيا كمعاملتكم، لم ارى في حياتي بدويا يدمن التكنولوجيا، هم كل ما يستخدمونها فيه هو الواتس او الماسنجر، والسنوات الاخيره انتشرت بينهم لعبة ببجي مثلا ههه، غير ذلك لا استخدام للتكنولوجيا ولا يفهمون ما هو التغيير العصري اصلا
من الأكيد أن معرفة الثقافة البدوية تجربة مشوقة لأنه مجتمع موازي بكل معنى الكلمة بتشريعاته وتقاليده وعاداته، واستمرار الثقافات والمجتمعات البدوية بنجاح على مر السنين هو دليل على براعة هذه الأنظمة، فما هي أغرب العادات الاجتماعية التي شاهدتها من خبرتك مع الثقافة البدوية، وما هو مصدر رزقهم طالما لا يعملون كموظفين أو في الشركات داخل المحافظات الأخرى؟
رغم حياتي معهم في طفولتي، تفاجئت منذ سنتين بعادة غريبة في زواج خالي كانت هذه اول مره الاحظها واعرفها، في يوم الفرح طبعا من المعلوم ان العروسة لا تظهر ولا احد يراها اصلا فالفرح منصوب بالخارج للرجال فقط لاستضافة المباركين، لكن بعد الفرح اكتشفت انه لا يدخل على امرأته في نفس اليوم، بل يذهب لبيته ويذهب معه 3 او 4 مرافقين، منهم اي شاب من اقربائه، وكنت انا من ذهب مع خالي وكان معنا 2 من اصدقاءه، ثم نبيت معه في بيت الزوجية لليوم الثاني، ونقضي معه اليوم التالي للمساء، ثم نذهب وتأتي عروسته هه، لم افهم لماذا كانت اجابتهم انه يجب ان يستعد نفسيا ويعيش في بيته يوم في البدايه ثم بعد ذلك تاتي الزوجه ههه، لم افهم من اين استقروا على هذه العادة الغريبة
بالنسبة لمصادر رزقهم فأهمها التجارة هم اكثرهم يعيش على التجاره بمختلف انواعها، والسمسرة ايضا، يؤجرون العقارات ويبيعوها خصوصا الساحلية منها يستفيدون من المستأجرين سواء من الشركات التي تطلب سكنا لموظفيها العاملين في الساحل الشمالي، ايضا زراعة الزيتون والتين جدا منتشره، وتربية الاغنام، تقريبا معظمهم يربيها حتى الاغنياء منهم يجب ان يربيها لا للتجاره فيها وانما مثلا لذبحها عند حضور ضيف، او للتضحيه بها، تربية الاغنام هناك كتربية القطط لديكم ههه، وايضا لديهم مصانع اعلاف ومصانع اسمنت ومصانع متعددة هم تجار بارعين، ايضا في العائلات الفقيرة والتي لا تجد مهارة التجارة ينتشر بين افرادها العمل في التهريب بين مصر وليبيا، يهربون البضائع من على الحدود سواء البترول او السجائر او التليفونات، مستغلين فرق السعر والهروب من الجمرك، ويفعلون ذلك يوميا، يتقاضى الشاب منهم اجرا بين 1500ج الى 5000ج للسير على قدمه مسافة 9 كيلو بين مصر وليبيا، 9 كيلو بين الجبل يمشيهم في الفجر لاستلام بعض البضائع من ليبيا، ثم يسير مثلهم في العودة بهم الى مصر، في نفس اليوم، رأيت الكثير جدا من الشباب الذين جربوا هذا العمل
العروسة لا تظهر ولا احد يراها اصلا
كيف يتعرف العريس على العروس، وهل هناك اختلاط بين الشباب كأن تخرج الفتيات للعمل أو للسوق وتقابل فتيان حتى بدون حديث؟ هل يرى الجنسان بعض؟
في حالات نادرة يرون بعض ههه، ربما في طفولتهم، او اذا كانوا اقارب يرون بعض في بعض الزيارات او في بيت العائلة بما ان الكثير من العائلات تسكن معا في بيت كبير واحد، لكن لا يحدث اي حوار بينهم ابدا
اما بالنسبه للزواج فانت لا تتعرف على العروس الى بعد العرس هههه، انت ترسل امك واختك وهم يتعرفون على العروس ويصفون لك شكلها، ثم بعد الزواج وبعد العرس يحدث اللقاء
فعلى أي أساس يرسل العريس أمه وأخته طالما لم يرَ العروس، هل مثلاً لتقوية العلاقات كما كان يحدث في الممالك، أو بسبب السمعة الطيبة؟
سمعت من قبل عن حوادث قد تكون خارقة للطبيعة تحدث كثيراً في تلك المناطق، وبعض منهم يؤمن بالسحر ويمارسه فهل تلك مجرد شائعات أم حقيقية؟
أعتقد أن من يعيش في بيئات مختلفة غالبا ما يكون شخص مميز في عقليته وطريقة تفكيره لأنه لا يكون منغلق على نفسه في بيئة واحدة، لذلك أريد أن أسألك كيف أثر تنقلك بين البيئتين البدوية والحضرية في تشكيل هويتك الشخصية وطريقة تفكيرك اليوم؟ وأيّهما تشعر أنه أقرب إليك الآن؟
كيف أثر تنقلك بين البيئتين البدوية والحضرية في تشكيل هويتك الشخصية وطريقة تفكيرك اليوم؟
اعتقد ان انتقالي بعد ذلك من البيئة البدوية والعمل منذ سن صغير في اكثر من محافظة خصوصا في السياحة مع كثرة القراءة والانفتاح على ثقافات متعددة كل هذه العوامل اعتقد انها جعلت هويتي ليست بدوية اطلاقا، بل كثير من افكارهم وعاداتهم لا اراها صائبة، لكنني ربما تاثرت بها عقليا، جعلتني عندما اقرأ في التاريخ استطيع ان اتخيل ما اقرأه كأنني اعيشه، رأيت الكثير من طبائع البدو وهذا جعلني اتخيل واعي تماما نفسيات وعقول العرب قديما بل واستطيع ان اتفهم منطلقاتهم الفكرية ولماذا انطلقوا منها
وأيّهما تشعر أنه أقرب إليك الآن؟
لا ارى انني مصداق لاحدهم فلا هويتي او عقليتي بدوية، ولا حضرية، ارى ايضا ان اهل المدن في معظمها ايضا لديهم عادات وافكار خاطئة، اعتقد انني اكثر انفتاحا بسبب قراءاتي المتعددة لثقافات اخرى عربية وغير عربية، لذلك لا ارى ان احدهم يمثلني
لا أقصد التجريح أخي يوسف، لكن أطرح الفكرة لتوضّح أنت الحقيقة ..
الكثير من أصدقائي وأقاربي مهندسين، البعض منهم يعملون في شركات إنشائية في المدن والمشاريع الحديثة التي تنشئها الدولة على طول ساحل البحر المتوسط والتي تمتد في الصحراء، جميعهم يحكون أن البدو يأخذون منهم مال مقابل الحماية، وإن لم يدفعوا فسيقوم البدو نفسه بالإعتداء على ممتلكاتهم، وكأنها بلغتنا "إتاوة"
فهل هذا الأمر شائع؟ أم أنهم مجرد لصوص يتنكّرون في صورة بدو؟
تجربة مثيرة للاهتمام،
كيف ينظر البدوي إلى الشخص الذي لا ينتمي لقبيلة، أنا مثلًا، إذا جئت لأعيش أو أعمل في مطروح؟ هل هناك حاجز من عدم الثقة لا يمكن كسره إلا بالمصاهرة على سبيل المثال أو سنوات طويلة من وضعي تحت الاختبار؟
أم بسرعة وبسهولة يندمج هذا الغريب؟
لا اندماج ابدا، حتى اذا تزوجتي من احدهم، سيقال فلان تزوج فلاحة، حتى لو كنتي قاهرية او حتى صعيدية، ينظرون للاخرين بنظرة دونية، نعم يحترمونهم ويتعاملون معهم لكنهم يرون انفسهم افضل، هي هكذا عقليتهم وتعصباتهم، ولا سبيل لتغيير هذه النظرة، يرون اي شخص مختلف هو غريب عنهم حتى ولو تزوج منهم، اما مساله العمل معهم فهم اصلا لا يقبلون بعمل المرأة ويرون اي امرأة تعمل على انها ناقصة دين، اذا كانت متزوجة فيرون ان زوجها ليس رجلا كاملا، الى اذا كانت طبيعة هذا العمل ليس فيها اختلاط ابدا او ليس فيها معاملة مع رجال، او اذا كانت المرأة كبرت في السن واصبحت تنفق على ايتام او شئ من هذا، واذا كانت من عائلة فعملها يجلب العار على عائلتها، فالعائلة ذات الشرف بالنسبه لهم لا تترك اي امرأة فيها تحتاج للعمل ابدا،
اعجبني طرحك خصوصًا فكرة العيش بين عالمين مختلفين والتعامل الطبيعي معهم بدون ما تشعر إنك غريب هنا ولا هناك.
بالمناسبة، في عملي هناك ترشيح لمدير قادم لنا من مطروح، وكنا كلنا متسائلين: عن طبيعة التعامل و شخصيته ؟ ام ليس من الضروري كل من هم في مطروح من البدو ام هو سمت عام . وهل هم في الشغل يميلون اكتر للحزم او المرونة؟ وهل يهتمون بالعلاقات الشخصية او العكس؟و كيف يتعاملون في الخلافات؟ ولدي فضول ايضا ان اعرف هل العيش فترة في الإسكندرية شعرت انه يغير طريقة تعاملك وشخصيتك؟
هناك في مطروح عائلات ذهبت فقط للعمل ثم استقرت هناك، من الفلاحين والصعايدة، خصوصا في المدن الكبرى هناك اختلاط، البدو غالبا يعيشون في قراهم و صحرائهم، اذا كان متعلما وله خبره لدرجة ان يصل لأن يكون مدير فهو شخص متطور ومنفتح على ثقافات اخرى، اكثر البدو الذين اعرفهم من عائلات مختلفه لم يحصلوا على درجة تعليم كبيرة، القليل فقط من يحصل على تعليم عالي ثم يعمل كمحامي او كطبيب، جدا قليلين، وهناك من خرجوا من حياة العائلة واستقروا في المدن وتغيرت طباعهم وعاداتهم، لكنهم قلة ايضا، في النهايه نعم هم يميلون للحزم اكثر، والمرونة عندهم لها حدودها الضيقة